قال المناوي في الفيض: "لأن الطعم فعل، والصوم كفٌّ عن فعل، فالطاعم بطبعه يأتي ربه بالشكر، والصائم بكفه عن الطعم يأتي ربه بالصبر". [7] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn7)
قال القاري: "وأقل صبره أن يحبس نفسه عن مفسدات الصوم". [8] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn8)
وقال الطيبي: "قد تقرر في علم المعاني أن التشبيه يستدعي الجهة الجامعة، والشكر نتيجة النعماء كما أن الصبر نتيجة البلاء، فكيف شبَّه الشاكر بالصابر؟ وأجاب المظهر بأن هذا تشبيه في أصل استحقاق كل واحد منهما الأجر لا في المقدار، وهذا كما يقال: زيد كعمرو، معناه: زيد يشبه عمرا في بعض الخصال. ولا يلزم المماثلة في جميعها فلا يلزم المماثلة في الأجر أيضا.
أقول: قد ورد الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر، فقد يتوهم متوهم أن ثواب شكر الطاعم يقصر عن ثواب صبر الصائم، فأزيل توهمه به، يعني هما سيان في الثواب ..
وفيه وجه آخر وهو أن الشاكر لما رأى النعمة من الله وحبس نفسه على محبة المنعم بالقلب وأظهرها باللسان نال درجة الصابر .. فيكون التشبيه واقعا في حبس النفس بالمحبة، والجهة الجامعة العامة حبس النفس مطلقا، فأينما وجد الشكر وجد الصبر ولا ينعكس". [9] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn9)
فمعنى هذا الحديث أن العبد الذي يشكر الله عز وجل على نعمه ومننه التي منحها إياه، له من الأجر الكثير والثواب الجزيل مثل ما للصائم الصابر الذي حبس نفسه عن الطعام والشراب وتَحَمَّل مَشَقَّة الإِمساك وظَمَأ الهواجِر، وذلك أن الغنى واليسار غالبا ما ينسي العبد ويلهيه ويحمله على البطر والبطش والظلم واقتراف المحرمات، ويصرفه عن حق الشكر لله تعالى الذي أنعم عليه بذلك وبسط له فيه، فإذا وُفِّقَ الغني الميسور فأدرك إنعام الله عليه، وعلم فضلَه عليه ورحْمَتَه وقام بما يجب عليه إزاء ذلك من الشكر، فأنفق مما رزقه الله في السبل التي يرضاه الله سبحانه، وحمله ذلك على التواضع لله تعالى والتذلل بين يديه وطاعته؛ كان شاكرا حقا فاستحَقَّ أن يكون له أجر الصائم الصابر.
=========================
ثالثا: فوائد الحديث
-------------------------
1. قال الحافظ: "في الحديث الحث على شكر الله على جميع نعمه إذ لا يختص ذلك بالأكل". [10] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn10)
2. وفيه الحث على الصبر وعلى الشكر، فهما شطرا الإيمان كما قال ابن مسعود، وأصل الشكر: صحة العزيمة، وأصل الصبر قوة الثبات، ومدار الدين على هذين الأصلين، وهما الأصلان المذكوران في الحديث الذي رواه أحمد والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد" [11] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn11)، فمتى أُيِّد العبد بعزيمة وثبات فقد أُيد بالمعونة والتوفيق، ولهذا جمع الله سبحانه بين الصبر والشكر في قوله:] إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [. [12] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn12)
3. للشكر علاقة وثيقة بالصبر؛ قال ابن القيم رحمه الله: "فكل من الصبر والشكر داخل فى حقيقة الآخر لا يمكن وجوده إلا به، وإنما يُعَبَّر عن أحدهما باسمه الخاص به باعتبار الأغلب عليه والأظهر منه، وإلا فحقيقة الشكر إنما يلتئم من الصبر والإرادة والفعل، فإن الشكر هو العمل بطاعة الله وترك معصيته، والصبر أصل ذلك، فالصبر على الطاعة وعن المعصية هو عين الشكر، وإذا كان الصبر مأمورا به فأداؤه هو الشكر. فإن قيل: فهذا يُفهم منه اتحاد الصبر والشكر وأنهما اسمان لمسمى واحد .. وقد فرق الله سبحانه بينهما؛ قيل بل هما معنيان متغايران وانما بينا تلازمهما وافتقار كل واحد منهما فى وجود ماهيته الى الآخر ومتى تجرد الشكر عن الصبر بطل كونه شكرا واذا تجرد الشكر عن الصبر بطل كونه صبراً". [13] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn13)
¥