*** السؤال الأول له تعلّق بمؤلّفات النووي والقرائن الدالة على تاريخ فراغه من كلّ واحد منها، لأنني لم أهتد إلى ما يدلّ بلفظ صريح على تاريخ الفراغ من شرحه لصحيح مسلم. وعدم علمي بذلك لا يعني أنّه غير معلوم؛ لذا سأفتتح المدارسة بناءًا على ما أعلم.
يشير النووي في آخر "الأذكار" إلى أنه فرغ منه سنة 667.
ويشير في آخر "رياض الصالحين" إلى فراغه منه سنة 670.
وهو في شرحه لصحيح مسلم يحيل على الكتابين بلفظ ينمّ عن أنّه أتمّهما.
فهل يصح لنا استناج أنّه باشر شرح مسلم بعد عام 670؟
والجواب أنّ تينك القرينتين لا تقتضيان ضرورةً الجزم بأنّه ألّفه أو باشر تأليفه بعد تلك السنة، بالنظر إلى الاعتبار التالي:
وهو أنّ النووي يحيل في "الأذكار" و"رياض الصالحين" على شرحه لمسلم!
كما نجده في "التهذيب" يحيل على شرحه لمسلم، وفي شرحه لمسلم يحيل على "التهذيب"!
ويحيل في "التهذيب" على "الأذكار"، وفي "الأذكار" على "التهذيب"!
ويحيل في "الروضة" على "التهذيب"، وفي "التهذيب" على "الروضة"!
ويحيل في شرحه لصحيح مسلم على "الروضة"، وفيها على الشرح!
... إلى آخره.
وفي شرحه لصحيح مسلم (باب الأنفال/كتاب الجهاد) ما يؤكّد أنه لم يفرغ منه قبل سنة 674!
وفي "التهذيب" ما يؤكّد أنه لم يفرغ منه قبل عام 674!
وفي "الروضة" ما يؤكّد أنه لم يفرغ منه قبل سنة 673!
وهذا يعني أنّ النووي كان يتعهّد مصنفاته بالمراجعة والتنقيح والزيادة، وأنه ظلّ وفيًّا لهذا النهج إلى أن وافته المنيّة، رحمه الله. وهو أمر يصعّب محاولة الاهتداء إلى ترتيبها وفق التسلسل الزمني المرتبط بتاريخ الفراغ منها.
... أمّا السؤال الثاني، فجوابه في مقدمة "مختصر سنن أبي داود" للمنذري، إذ يصرِّح فيها بإتمامه لمختصر مسلم، ويشير إلى أنّ الكتاب كان يدرّس في "الكاملية".
وتفيدنا المصادر أنّ المنذري تفرّغ للتأليف في العشرين سنة الأخيرة من عمره، وهذا يعني أنّ الفترة المشتركة بينه وبين النووي فيما يتعلّق بالتصنيف هي عشر سنوات.
ولكن إذا اعتبرنا أنّ المنذري كتب مقدمة المجتبى بعد فراغه من الكتاب، واستصحبنا أهمّيّة تعليقاته الحديثية وما تقتضيه من بحث وإدامة نظر، فإنّ هذا من شأنه أن يرجّح فراغه من مختصر مسلم قبل مباشرة النووي للتأليف.
... وأمّا السؤال الثالث. فالجواب هو الإمكان.
ويشهد له ما كان بين "الأشرفية" و"الكاملية" من وشائج ... لكن يعكِّر على هذا الشاهد افتراض العكس، وهو احتمال اشتهار "مختصر مسلم" ووصوله إلى دمشق! وقد كان المنذري أحد حفّاظ عصره ... ويعكّر على هذا المعكّر أنّ النووي لا يشير في كتبه إلى المنذري إلا في موضع أو موضعين ...
ويشهد له أيضًا ما حكي أنّ النّووي هَمَّ بغسل "الروضة" قبل وفاته بقليل وقال: "في نفسي منها أشياء"، فقيل له: "قد سارت بها الركبان".
ويشهد له أيضًا أنَّ المنذري كانت له عناية فائقة باقتناء الكتب ونَسخها. وهذا الشاهد لا يستقيم إلا إذا صحّ أنّ النووي فرغ من سرحه لصحيح مسلم قبل وفاة المنذري.
وكان في البال شاهد آخر، لكنّني عاجز عن استحضاره الآن ... (ابتسامة)
وإذا تأمّلنا المسألة، علِمنا أنّ مدارها هو معرفة السابق من الشيخين إلى الفراغ من تأليفه.
بل لو توصّلنا في ذلك إلى دليل قطعي، واهتدينا إلى أنّ أحدهما وقف على كتاب الآخر، لما كان حجة للجزم بأنّه أخذ عنه تراجمه لأبواب صحيح مسلم، وذلك لاحتمال الاعتماد على مصدر سابق.
وتحديد المصدر السابق زمنًا مسألة تحتاج إلى تتبع ومقارنة لما وصلنا من شروح أو اختصارات لصحيح مسلم، وكذا مستخرج أبي نعيم.
والتشابه الذي بين تراجم النووي وتراجم المنذري تجده في كثير من الأحيان مخالفًا لما في المستخرج أو المفهم. وهذا يفتح الباب لعدة احتمالات، منها:
1_ أنّ النووي والمنذري اعتمدا على مصدر سابق، غير المستخرج؛ وقد يكون تحرير الإصفهاني.
2_ أنّ التشابه محض اتفاق، لأنّ مضامين بعض الأبواب تؤدّي لزامًا إلى وضع تراجم متشابهة. لكن يعكِّر عليه التطابق في اللفظ بين عدد من تراجم النووي ومثيلاتها لدى المنذري.
3_ أنّ المنذري لجأ إلى منهج النووي نفسه في وضع تراجم الأبواب، دون أن يطّلع على كتابه؛ إذ يقول النووي: "وقد ترجم جماعةٌ أبوابه بتراجم، بعضها جيِّدٌ؛ وبعضها ليس بجيِّد، إمَّا لقصور في عبارة الترجمة، وإمَّا لركاكة لفظها، وإمَّا لغير ذلك. وأنا، إن شاء الله، أحرص على التعبير عنها بعبارات تليق بها في موطنها". وهو منهج قائم على الانتقاء، والإضافة، وتوخّي استيعاب الترجمة للجامع بين أحاديث الباب.
4_ أنّ النووي اطَّلع على مختصر مسلم للمنذري، وانتقى من التراجم التي وضعها ما رآه موافقًا لمنهجه، فأثبتها كما هي أو تمّمها بما رآه مستوعبًا لجزئيات أخرى من أحاديث الباب أغفلها المنذري.
والمسألة تحتاج إلى تتبّع تامّ ومقارنة ...
وما سبق ذكره لا يتضمّن جوابًا نهائيًا قاطعًا، بل مقدمات للبحث والمدارَسة، عساها تكون حافزًا لإثراء الموضوع ...
ولك الشكر الجزيل شيخنا الفاضل "ابن السائح" على استدراكك. ونتمنّى أن تشفعه بإضافات تفيد في هذا الباب.
واعذرني إذ تأخّر جوابي، فقد تعرّض "الواصل الشابكي" عندي لاضطرابات وانقطاعات متعاقبة ...
والله ولِيُّ التوفيق.
¥