ـ[السكران التميمي]ــــــــ[14 - صلى الله عليه وسلمpr-2010, مساء 02:28]ـ
جزى الله الجميع عني خير الجزاء؛ وأسأل الله أن يجعل ما نقدمه للجميع لوجه الكريم تعالى.
وقبل الجواب على ما تفضلتم به أخي العزيز (المرشدي) يحسن الوقوف على ماهية [التفسير الموضوعي] حتى نرى هل يمكن أن يكون من قيبل التفسير الإشاري أم لا؟
فبالنسبة للنشوء والغايات هو يختلف عن التفسير الإشاري؛ فالمراد غير المراد، والغرض غير الغرض، وإن كان التفسير الموضوعي في مرحلة من المراحل الشاطحة قد يتحول ويتحور إلى تفسير إشاري لخروجه عن غرض السورة الأصلي.
فمصطلح التفسير الموضوعي لم يظهر عَلَمَاً على علم معين إلا في القرن الرابع عشر الهجري، عندما قُرِّرت هذه المادة ضمن مواد قسم التفسير بكلية أصول الدين بالجامع الأزهر، إلا أن لبنات هذا اللون من التفسير كانت موجودة منذ عهد النبوة وما بعده، ويمكن إجمال مظاهر وجود هذا التفسير في الأمور التالية:
1 - تفسير القرآن بالقرآن: لا ريب أن تفسير القرآن بالقرآن هو لب التفسير الموضوعي وأعلى ثمراته .. وجميع الآيات التي تناولت قضية واحدة والجمع بين دلالاتها والتنسيق بينها كان أبرز ألوان التفسير التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه عليها، فقد روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر مفاتح الغيب في قوله تعالى: ((وعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ)) فقال: مفاتح الغيب خمسة: ((إنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ ومَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً ومَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)).
ومن هذا القبيل ما كان يلجأ إليه الصحابة رضوان الله عليهم من الجمع بين الآيات القرآنية التي يُظنُّ بينها تعارضٌ.
وقد وضع العلماء بعده قاعدة في أصول التفسير تقتضي بأن أول ما يرجع إليه المفسر القرآن الكريم، إذ ما أجمل في مكان قد فصل في آخر، وما أطلق في آية إلا قد قيد في أخرى، وما ورد عاماً في سورة جاء ما يخصصه في سورة أخرى، وهذا اللون من التفسير هو أعلى مراتب التفسير وأصدقها إذ لا أحد أعلم بكلام الله من الله.
2 - آيات الأحكام: قام الفقهاء بجمع آيات كل باب من أبواب الفقه على حدة، وأخذوا في دراستها واستنباط الأحكام منها، والجمع بين ما يظهر التعارض، وذكروا ما نص عليه وما استنبط من القرآن بطريق الإشارة والدلالة الخفية، ونحو ذلك، وكله داخل تحت مسمى التفسير الموضوعي.
3 - الأشباه والنظائر: وهو اتجاه نحاه بعض العلماء في تتبع اللفظة القرآنية، ومحاولة معرفة دلالاتها المختلفة، مثال ذلك: كلمة (خير) وردت في القرآن على ثمانية أوجه حسبما ذكره الدامغاني في كتابه (إصلاح الوجوه والنظائر)، وهذا كما ترى لون من التفسير الموضوعي، وهو أول وسيلة يلجأ إليها الباحثون في البحث عن موضوعات القرآن حيث يجمعون ألفاظ ذلك الموضوع من سور القرآن ثم يتعرفون على دلالة اللفظ في أماكن وروده.
4 - الدراسات في علوم القرآن: اهتم العلماء بموضوعات علوم القرآن فأشبعوها، ومن بين هذه الموضوعات والدراسات؛ لون ينصبُّ على دراسة وجمع الآيات التي لها رابطة واحدة، كآيات النسخ والقسم والمشكل والجدل والأمثال وغير ذلك، ومؤلفاتهم في ذلك يعز على الباحث حصرها وهي أشهر من أن تذكر.
كل هذه الأمور والحقائق تدلنا على أن التفسير الموضوعي ليس بدعاً من العلوم أفرزته عقول المتأخرين، وغفلت عن الاهتمام به أفهام الأولين.
لكن بروزه لوناً من التفسير له كيانه وطريقته لم يوجد إلا في العُصُر الأخيرة تلبية لحاجات أهلها التى وجد فيها من المذاهب والأفكار كما وجد فيها من الآراء والموضوعات ما اضطر علماء الشريعة إلى بحثها من وجهة النظر القرآنية ليقينهم بأنه الكتاب الذي يحوي دراسة وعلاج كل موضوع يطرأ في حياة الناس، علمه من علمه وجهله من جهله، ((أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ)).
ومن ثم كثرت الدراسات القرآنية، وأصبحت المكتبة القرآنية تستقبل كل يوم مواداً جديدة من عالم المطبوعات، ونظرة خاطفة إلى فهارس المكتبة تنبيك بكثرة ما كتب في هذا المجال، وإن كان في الحقيقة قليلاً على مادة القرآن.
¥