عن خلف بن تميم: (سمعت من الثوري نحو عشرة آلاف حديث، وكنت أستفهم جليسي)، فقال زائدة: (لا تحدث منها إلا بما سمعت وحفظت).
ورأى أبو نعيم في حرفٍ أو اسمٍ سَقَط من سماعه من سفيان والأعمش، فاستفهم عنه غيرهما أن يرويه عنه.
ويصح السماع ممن حدّث وراء حجاب فَعُرِف صوته، أو قرئ عليه فعرف حضوره. وينبغي جواز الاكتفاء في المعرفة بخبر ثقة. وسمع من أزواجه عليه الصلاة والسلام محجوبات. وعن شعبة منعه.
ولو أسمعه حديثاً فقال: (رجعت عن إخبارك)، أو (لا تروه)، أو نحوه، ولم يحتَجَّ بخطئه فيه أو شكه؛ فله روايته. وكذا: (أُخْبِرُكُم لا فلاناً).
قال الإسفراييني: (وكذا لو سمع بغير علمه).
· ثالثها: الإجازة:
قال ابن فارس: (من استجزته فأجازني، إذا أسقاك ماءً لأرضٍ أو ماشية).
فالطالب يستجيزه علمه، فيجيزه.
فعلى هذا يقال: (أجزته كذا)، ومن جعلها إذناً _ وهو المعروف _ قال: (أجزت له رواية كذا).
ويجوز حذف الرواية.
ويستحسن علمه بما يجيز، وكون المجاز له عالماً، وعن مالكٍ هو شرط.
وقال أبو عمر بن عبد البر: (الصحيح أنها إنما تجوز لماهر في معينٍ لا يشكل سنده).
ومن أجاز بخطه وقصدها _ أي الإجازة _؛ جاز، وينبغي تلفظه.
· وهي سبعة أنواع:
أعلاها: لمعينٍ في معين:
وجوز الرواية بها الجمهور، لأنها إخبار إجمالي لا إجازة لكذب، والنطق ليس بشرط كالقراءة عليه، ودعوى (الباجي) الإجماع عليه باطل؛ إذ أبطلها جماعات، وهو إحدى الروايتين عن الشافعي، ويجب العمل بها. ومنعه بعض الظاهرية كالمرسل، وهو باطل.
الثاني: لمعين في غيره:
كـ (أجزت لك مسموعاتي).
والخلاف فيه أكثر، والجمهور أنه كالأول روايةً وعملاً.
الثالث: لعام:
كـ (أجزتك المسلمين)، أو (أهل زمني).
واختلف فيه المجوزون، وممن جوزه الخطيب، وحكاه الحازمي عمن أدركه من الحفاظ، وأجاز ابن منده لمن قال: (لا إله إلا الله)، وابن حزم لمن دخل قرطبة من الطلبة، ولم نسمع عن مقتدى به الرواية به، فإن حصر بوصف فأقرب للجواز.
الرابع: لمجهول:
كذكر اسمٍ ونسبٍ يشترك جمعٌ فيهما، أو بمجهولٍ كـ (أجزت لك السنن)، ويروي كُتُباً من السنن، وهو فاسد.
وتصح لمنسوبين وهو يجهلهم، كسماع من يجهله منه، وينبغي صحتها لمسمَّين في الإجازة بلا تصفح وعلمٍ بعددهم وأسمائهم، كسماعهم منه كذلك.
والظاهر بطلانها (لمن شاءه زيد)، وبه أفتى الطبري؛ للجهالة، ولأن ما تفسده يفسده التعليق عند قومٍ، وقيل: تصح.
و (لمن شاء الرواية عني) أولى بالجواز إذ صرح بمقتضى الحال، و (لزيد إن شاء روايته) الأظهر جوازه.
الخامس: لمعدوم:
كـ (أجزت لمن يولد لزيد).
وجوزه الخطيب وغيره، وأبطله الطبري وغيره؛ وهو الصحيح، لأنها إخبار إجمالي، وإخبار معدوم باطل، وكذا الإذن له كالوكالة، وموجبه بطلانها للطفل.
وقال الخطيب: (تصح لأنها إباحةٌ للرواية، ورأينا كافة شيوخنا يجيزون لهم بلا سؤال على سنهم).
قلت: ولا يستلزم عدم السؤال الجواز، وفيما قاله الخطيب بعد. فتأمل
وعطف معدومٍ على موجود أقرب للجواز نحو (لزيدٍ ومن يولد له) أو (لك ولعقبك ما تناسلوا).
وقال ابن أبي داود: (أجزت لك ولولدك وحبل الحبلة).
السادس: أن يجيزه ما لم يتحمله، ليرويه إن تحمَّلَه:
قال عياض: (لم أر من ذكره، وفعله بعض المتأخرين، والصحيح بطلانه).
وسئل يونس بن مغيث _ قاضي قرطبة _ إجازة ما سيرويه، فأبى، فغضب السائل، فقال بعض أصحابه: (يعطيك ما لم يأخذه!! هذا محال).
فيلزم من قصد أن يروي عمن أجازه مسموعاته أن يبحث ليعلم أنه تَحَمَّلهُ قبل إجازته.
و (أجزت لك ما صح أو يصح عندك من مسموعاتي) ليس منه، فيروي به ما صح عنده بعد الإجازة أنه سمعه قبلها، وفعله الدارقطني وغيره.
السابع أن يجيزه مُجازاته:
والصحيح جوازه وعليه العمل، ولا يُعتدُّ بمانعه، فإذا كانت إجازة شيخ شيخه (أجزت لك ما صح عنده من مسموعاتي) فرأى سماعه لم يروه عن شيخه عنه؛ حتى يعلم أنه صح عند شيخه كونه من مسموعات شيخه.
· رابعاً: المناولة:
وهي نوعان:
- مقرونة بإجازة:
وهي أعلى الإجازات، وجعلها الزهري والشعبي وقتادة ومالك وربيعة وابن عيينة وغيرهم سماعاً.
والصحيح أنها دونه، وقاله أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والحاكم _ وعليه عَهِدَ أئمته _.
ومن صورها:
¥