1) أن إعمال الأدلة جميعا أولى من إعمال بعضها وترك الآخر، وعند النظر في المسالك الواردة في المسألة نجد أن هذا المسلك هو الذي تنطبق عليه القاعدة، دون بقية المسالك؛ إذ المسلك الأول فيه إعمال للآيات دون الأحاديث، والثالث فيه إعمال لبعض الأحاديث دون الآيات.

2) أن القول بنجاتهم أو تعذيبهم مطلقا فيه إهدار للأحاديث الواردة بامتحانهم يوم القيامة، وقد تقدم أن هذه الأحاديث - اعني أحاديث الامتحان- قد رويت عن ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهي بمجموعها تدل على أن للحديث أصلا عن النبي صلى الله عليه وسلم.

3) أن سنة الله في خلقة قد مضت بأنه لا يعذب أحدا حتى تقوم عليه الحجة، والقول بتعذيبهم مطلقا مخالف لهذه السنة.

4) أن الآيات الواردة في أهل الفترة ليس فيها ما يدل على أنهم ناجون أو هالكون مطلقا، بل غاية ما فيها الإخبار بأن هؤلاء لم ينذروا ولم يبعث فيهم رسول، وبقي مصيرهم في الآخرة مجهولا حتى بينت السنة النبوية وأخبرت بأنهم يمتحنون يوم القيامة.

5) أن الأحاديث الواردة في تعذيب أهل الفترة إنما وردت بخصوص أشخاص بأعيانهم، ولم يأتي فيها ما يفيد تعذيب أهل الفترة مطلقا، على حين جاءت الآيات الواردة بعذرهم بصيغة العموم والإطلاق، ولم تنص على نجاة شخص بعينه، فتبقى الآيات على عمومها ويخص منها أولئك الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بتعذيبهم، لسبب ما أوجب عذابهم، وأما الباقون من أهل الفترة فيبقى مصيرهم مجهولا حتى يظهر معلوم الله فيهم عندما يمتحنون يوم القيامة.

وأما أحاديث تعذيب أبويه صلى الله عليه وسلم فالحق أنه لم يثبت في تعذيبهما حديث سالم من المعارضة، إن في الدلالة، وإن في الثبوت؛ فيجب التوقف فيهما، وعدم القطع لهما بجنة أو نار.

أما حديث أبيه صلى الله عليه وسلم فقد علمت ما فيه من اختلاف الرواة في لفظه، وهذا الاختلاف موجب للتوقف فيه وعدم القطع بمضمونه.

وأما أحاديث أمه صلى الله عليه وسلم فلم يأت منها حديث صحيح صريح بأنها من أهل النار، والثابت هو النهي عن الاستغفار لها، وهذا النهي لا يلزم منه أن تكون من أهل النار.

فإن قلت: فما معنى نهي الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار لها؟

فجوابه: أن الله تعالى لم يأذن لنبيه صلى الله عليه وسلم بالاستغفار لأمه لأنها ماتت في الفترة، ومصير أهل الفترة مجهول، فلا يدرى ما يصيرون إليه، وقد شاء سبحانه أن يكون مصير أمه صلى الله عليه وسلم مخفيا عنه لحكم يريدها سبحانه، وقد يكون من هذه الحكم أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أذن له بالاستغفار لأمه لفهم منه جواز الاستغفار لأهل الفترة عموما، ومعلوم أن من أهل الفترة من قضى الله تعالى بأنهم لا يجيبون، ولا يجوز الاستغفار لمن قضى الله تعالى بأنهم لا يجيبون، لأن حكم هؤلاء هو حكم أهل الكفر والشرك، والذين منع الله من الاستغفار لهم.

كما أن الاستغفار فرع تصوير الذنب، وذلك في أوان التكليف، ولا يعقل ذلك فيمن لم تبلغه الدعوة، فلا حاجة إلى الاستغفار لهم، فيمكن انه ما شرع الاستغفار إلا لأهل الدعوة، لا لغيرهم، وان كانوا ناجين.

ويمكن أن يقال: أن أهل الجاهلية يعاملون معاملة الكفرة في الدنيا فلا يدعى لهم ولا يستغفر لهم، لأنهم يعملون أعمال الكفرة فيعاملون معاملتهم، وأمرهم إلى الله في الآخرة.

فإن قلت: فما معنى بكاءه صلى الله عليه وسلم عند قبرها؟

فجوابه: أن بكاءه صلى الله عليه وسلم عند قبرها لا يلزم منه كونها تعذب، أو أنها ماتت على الكفر؛ والظاهر أن بكاءه إنما هو لعدم علمه صلى الله عليه وسلم بمصيرها، ولشفقته عليها، لا لأنها تعذب.

فإن قلت: هذا التعليل يعارضه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما استأذن ربه في الاستغفار لامه نزل قوله تعالى: [ما كان للنبي والذين امنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم]، وهذا الحديث يفيد بأن العلة من النهي عن الاستغفار كونها ماتت على الشرك.

والجواب: أن هذا السبب المذكور في نزول الآية لا يصح، والثابت أن هذه الآية نزلت في أبي طالب، وقد تقدم.

فإن قلت: فما جوابك عن الإجماع الذي حكاه القرافي في تعذيب أهل الفترة عموما، وما حكاه الملا علي القاري من تعذيب الأبوين خصوصا؟

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015