وذكر ابنُ كثير هذا الحديث في (البداية والنهاية)، وقال: (غريبٌ). وقد خولف زيد بن أخزم في إسناده؛ فخالفه محمد بن إسماعيل بن البختري الواسطيُّ، فرواه عن يزيد بن هارون، عن إبراهيم بن سعد، عن سالم، عن أبيه. فذكره.

قال الحويني: ولا شك في تقديم رواية زيد بن أخزم لأمرين:

الأول: أنه أثبت من محمد بن إسماعيل بن البختري.

الثاني: أنه توبع عليه، كما في رواية البزار، والذي تابعه هو محمد بن عثمان بن مخلد، وقد سُئل عنه أبو حاتم فقال: (شيخ)، وقال ابنُ أبي حاتم: (صدوق)، ووثقه ابنُ حبان، وقد ذكر البزار أن يزيد بن هارون تفرّد به، وليس كما قال، فقد تابعه محمد بن أبي نعيم الواسطي، قال: ثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه. أخرجه الطبراني في (الكبير) قال: حدثنا عليُّ بن عبد العزيز، نا محمد بن أبي نعيم. وهذه متابعةٌ جيدة، وابن أبي نعيم وثقه أبو حاتم وابن حبان، وكذا صدَّقه أحمد بن سنان القطان. وكذبه ابنُ معينٍ وأبعد في ذلك. وقد أعلَّ أبو حاتم هذا الحديث بقوله: (كذا رواه يزيد وابن أبي نعيم، ولا أعلمُ أحدًا يجاوز به الزهري غيرهما، إنما يروونه عن الزهري، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ... ، والمرسل أشبه). ذكره ولده في (العلل).

قال الحويني: وقولُ أبي حاتم متعقَّبٌ أيضًا بأنه قد رواه اثنان آخران متصلاً وهما: الوليد بن عطاء بن الأغر، عن إبراهيم بن سعد، به. ذكره الدارقطنيُّ في (العلل). والوليد صدوق.

والثاني: الفضل بن دكين، عن إبراهيم بن سعد. أخرجه البيهقيُّ في (الدلائل)، وسنده صحيحٌ. وقد رجح الضياء المقدسي الرواية المتصلة، بينما رجح أبو حاتم الرواية المرسلة، وقول أبي حاتم هو الصواب، وهذه الرواية المرسلة أخرجها عبد الرزاق في (المصنف) عن معمر بن راشد، عن الزهري قال: جاء أعرابي ... ، وساق الحديث. فهكذا اختلف إبراهيمُ بن سعد ومعمر بن راشد، ولا شك عندنا في تقديم رواية معمر المرسلة؛ لأن معمرًا ثبتًا في الزهري، وأما إبراهيم بن سعد فقال قال صالح بن محمد الحافظ: (سماعه من الزهري ليس بذاك؛ لأنه كان صغيرًا حين سمع من الزهري). وقال ابن معين؛ وسئل: إبراهيم بن سعد أحب إليك في الزهري أو ليث بن سعد؟ قال: (كلاهما ثقتان). فإذا تدبرت قول يعقوب بن شيبة في الليث: (ثقة وهو دونهم في الزهري - يعني: دون مالك ومعمر وابن عيينة - وفي حديثه عن الزهري بعض الاضطراب)، علمت أن قول ابن معين لا يفيد أنه ثبت في الزهري مثل معمر.

قال الحويني: فالذي يتحرر من هذا البحث أن الرواية المرسلة هي المحفوظة، وهي التي رجحها أبو حاتم الرازي والدارقطني، فلا معنى للقول أنه على شرط الشيخين بعد ثبوت هذه المخالفة.

قال الحويني: وأما حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه، في (صحيح مسلم)، والذي فيه: أن اللَّه نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار لأمه، فلم يتعرض له السيوطي إلا بجوابٍ مجملٍ، وهذا الحديث صريح في عدم إيمانها؛ لأن اللَّه عز وجل قال: [مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ]، وقد نزلت هذه الآية في أبي طالبٍ.

وبهذا الجواب - على اختصاره – يتبين أن الحديثين صحيحان لا مطعن فيهما، والحمد للَّه رب العالمين. أهـ

ـ[السكران التميمي]ــــــــ[15 - Feb-2010, مساء 10:56]ـ

المبحث الخامس

الترجيح

الذي يظهر صوابه – والله تعالى أعلم – هو مسلك الجمع بين الآيات والأحاديث، فيحكم لأهل الفترة في الدنيا بالعذر عند الله تعالى يوم القيامة، إلا أنه من باب العدل فإن الله يمتحنهم في دار الجزاء بنار يأمرهم باقتحامها؛ فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن أبى عذب فيها، وهذا الامتحان هو لقيام الحجة عليهم، وليظهر معلوم الله فيهم، وهم في ذاك الامتحان على فريقين: منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب، وما ورد من أحاديث في تعذيب أهل الفترة محمول على الذين لا يجيبون، وهذا المسلك هو الذي تجتمع به الأدلة، ويزول به التعارض بين الآيات والأحاديث، إن شاء الله تعالى.

يدل على هذا الاختيار:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015