الرابع: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه سلم قال: "يحتج على الله يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة، والمغلوب على عقله، والصبي الصغير، فيقول المغلوب على عقله: لم تجعل لي عقلاً أنتفع به، ويقول الهالك في الفترة: لم يأتني رسول ولا نبي، ولو أتاني لك رسول أو نبي لكنت أطوع خلقك لك وقرأ: [لولا أرسلت إلينا رسولاً]، ويقول الصبي الصغير: كنت صغيراً لا أعقل. قال: فترفع لهم نار ويقال لهم: ردوها قال: فيردها من كان في علم الله أنه سعيد، ويتلكأ عنها من كان في علم الله أنه شقي، فيقول: إياي عصيتم، فكيف برسلي لو أتتكم"؟.

الخامس: عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: ربنا لم ترسل إلينا رسولاً، ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولاً لكنا أطع عبادك لك. فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم تطيعونني؟ فيقولون: نعم. فيؤمرون أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون، حتى إذا رأوها فإذا لها تغيظ وزفير، فيرجعون إلى ربهم فيقولون: يا ربنا فرقنا منها. فيقول ربهم تبارك وتعالى: تزعمون أنكم إن أمرتكم بأمر أطعتموني، فيأخذ مواثيقهم فيقول: اعمدوا إليها فادخلوها. فينطلقون، حتى إذا رأوها فرقوا ورجعوا إلى ربهم، فقالوا: ربنا فرقنا منها. فيقول: ألم تعطوني مواثيقكم لتطيعوني؟ اعمدوا إليها فادخلوها. فينطلقون، حتى إذا رأوها فزعوا ورجعوا، فقالوا: فرقنا يا رب، ولا نستطيع أن ندخلها. فيقول: ادخلوها داخرين. قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: لو دخلوها أول مرة كانت عليهم برداً وسلاماً".

السادس: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أربعة كلهم يدلي على الله يوم القيامة بحجة وعذر: رجل مات في الفترة، ورجل أدركه الإسلام هرماً، ورجل أصم أبكم، ورجل معتوه، فيبعث الله إليهم ملكاً رسولاً فيقول: اتبعوه، فيأتيهم الرسول فيؤجج لهم ناراً ثم يقول: اقتحموها، فمن اقتحمها كانت برداً وسلاماً، ومن لا حَقَّت عليه كلمة العذاب.

قال ابن القيم –بعد أن أورد هذه الأحاديث: (فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضاً، وتشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة، نقله عنهم الأشعري – رحمه الله – في المقالات وغيرها). أهـ

الحجة الثانية: أن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء احدهما، ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول، بالعذر والامتحان، فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أمر به عند ذلك الامتحان، وتتفق بذلك جميع الأدلة.

الإيرادات والاعتراضات على هذه الأدلة:

أورد على هذه الأحاديث؛ أعني أحاديث الامتحان، بأنها ضعيفة، وبأنها مخالفة لكتاب الله عز وجل، ولقواعد الشريعة، لأن الآخرة ليست دار تكليف، وإنما هي دار جزاء، ودار التكليف هي دار الدنيا، فلو كانت الآخرة دار تكليف لكان ثم دار جزاء غيرها.

أورد هذا الاعتراض: ابن عبد البر، وابن عطية، وأبو عبدالله القرطبي، والآلوسي.

قال ابن عبد البر؛ وقد ذكر بعض هذه الأحاديث: (وهذه الأحاديث كلها ليست بالقوية، ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب؛ لأن الآخرة دار جزاء، وليست دار عمل ولا ابتلاء، وكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفساًَ إلا وسعها، ولا يخلو من مات في الفترة من أن يكون مات كافراً أو غير كافر، فإن مات كافراً جاحداً فإن الله حرم الجنة على الكافرين، فكيف يمتحنون؟ وإن كان معذوراً بأنه لم يأته نذير ولا رسول فكيف يؤمر أن يقتحم النار وهي أشد العذاب؟). أهـ

وأجيب عن هذه الاعتراضات من وجوه:

الأول: أن أحاديث هذا الباب قد تضافرت وكثرت بحيث يشد بعضها بعضاً، وقد صحح الحفاظ بعضها، كما صحح البيهقي وعبد الحق وغيرهما حديث الأسود بن سريع. وحديث أبي هريرة إسناده صحيح متصل، ورواية معمر له، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، موقوفاً، لا تضره؛ فإنا إن سلكنا طريق الفقهاء والأصوليين في الأخذ بالزيادة من الثقة؛ فظاهر، وإن سلكنا طريق الترجيح، وهي طريقة المحدثين؛ فليس من رفعه بدون من وقفه في الحفظ والإتقان.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015