والرواية التي أشار إليها البخاري في تاريخه أخرجها ابن ماجه (387) من طريق مسلم بن مخشي عن ابن الفراسي، وفيه التصريح بالسماع من النبي -صلى الله عليه وسلم-، حيث قال: كنت أصيد، وكانت لي قربة أجعل فيها ماء، وإني توضأت بماء البحر، فذكرت ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-, فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته).
ومن أمثلته -وذكره الجديع في تحرير علوم الحديث (1/ 183) -: أن البخاري قال في تاريخه (2/ 174): (ثعلبة بن يزيد الحماني، سمع عليًّا، روى عنه حبيب بن أبي ثابت، يعد في الكوفيين، فيه نظر ... ).
فنقل ذلك ابنُ عدي في الكامل (2/ 109)، ثم أسند لثعلبة حديثًا، ثم قال: (وأما سماعه من علي؛ ففيه نظر كما قال البخاري).
قال الجديع: (فهو يفسر قول البخاري: أنه أراد بقوله: "فيه نظر" سماعه من علي، وهذا يعني أن البخاري لا يثبت سماعه من علي، إنما أراد بقوله: "سمع عليًّا" مجرد حكاية ما وقع في الإسناد).
وحتى لو خولف ابن عدي في إرجاع قول البخاري: (فيه نظر) إلى ثبوت السماع، فقلنا: إنه يريد الراوي نفسه، فإنه لا يخفى على البخاري أن الراوي الذي (فيه نظر) -على مذهبه- لا يُصدَّق في إثباته السماع من شيوخه، فلا يُحكَم بذلك من خلال قوله.
والمسألة متسعة، وتحتاج تحريرًا وتدقيقًا أكبر، وقد قال العلامة المعلمي -وهو من عايش تاريخ البخاري حتى اختلط بلحمه ودمه- في تعليقه على موضح أوهام الجمع والتفريق للخطيب (1/ 128): (قول البخاري في التراجم: "سمع فلانًا" ليس حكمًا منه بالسماع، وإنما هو إخبار بأن الراوي ذكر أنه سمع).
وقد اعتمد بعض العلماء في غير موضع على نسبة إثبات السماع إلى البخاري بقوله في تاريخه: (سمع فلانًا ... )، ويخالَفون في ذلك؛ لما تقدم، وكلام المعلمي السابق إنما هو مناقشة للخطيب في هذه المسألة.
ويُنظر هنا:
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=14167
والله أعلم.
ـ[عبد الكريم بن عبد الرحمن]ــــــــ[28 - Jul-2009, مساء 02:25]ـ
بارك الله فيك على الفائدة
هل يمكن تحرير قاعدة المثبت مقدم على النافي و متى تطبق لتعم الفائدة؟
ـ[محمد بن عبدالله]ــــــــ[28 - Jul-2009, مساء 03:08]ـ
وفيك.
انظر هنا:
http://majles.alukah.net/showthread.php?t=19423
ولعله لم يعد لدينا (مثبت) في هذه المسألة.
ويبدو لي من تصرف البخاري في ترجمة عمارة بن راشد خاصةً أنه لا يصحح سماعه من أبي هريرة -رضي الله عنه-، فقد قال فيها:
(عمارة بن راشد بن كنانة، ويقال: عمار بن راشد بن مسلم.
سمع أبا هريرة -رضي الله عنه-، روى عنه عبدالرحمن الإفريقي.
وروى بقية، عن عتبة بن أبي حكيم، عن عمارة بن راشد الليثي، سمع أبا إدريس قوله،
وعن عمارة بن راشد، عن زياد، عن معاذ -رضي الله عنه- قوله.
وسمع عمارةُ عمرَ بنَ عبدالعزيز، وعبدَالأعلى، وعراكًا).
وبالتأمل:
فقد أعقب البخاري قوله: (سمع أبا هريرة) بقوله: (روى عنه عبدالرحمن الإفريقي)؛ فكأنه يعتمد في الأول على الثاني.
ثم أعقب ذلك بذكر رواية عمارة بن راشد عن أبي إدريس الخولاني، وعن زياد، وعن عمر بن عبدالعزيز، وعن عبدالأعلى بن هلال السلمي، وعن عراك بن مالك؛ وكل هؤلاء من التابعين، ووفيات بعضهم بين الثمانين وما بعد المائة، وكأن البخاري يشير إلى أنَّ مَنْ كان أكثر شيوخه هؤلاء التابعين المتأخرين عن أبي هريرة؛ يبعد أن يكون قد سمع من أبي هريرة.
ولعل هذا مما اتكأ عليه أبو حاتم في نفيه سماع عمارة من أبي هريرة.
والله أعلم.
ـ[محمد بن عبدالله]ــــــــ[28 - Jul-2009, مساء 03:32]ـ
فوائد:
1 - قال البزار بعد أن أخرج حديثين لعبدالرحمن بن زياد بن أنعم عن عمارة بن راشد في مسنده (9415، 9416): (وعمارة بن راشد لا نعلم روى عنه إلا عبدالرحمن بن زياد، وعبدالرحمن بن زياد كان حسن العقل، ولكن وقع على شيوخ مجاهيل، فحدث عنهم بأحاديث مناكير، فضعف حديثه، وهذان الحديثان مما أنكر عليه، مما لم يشاركه فيهما غيره).
وبغضِّ النظر عن صحة حكم البزار بتفرد ابن أنعم بالرواية عن عمارة بن راشد، إلا أن مفهوم كلامه أن شيخه في هذين الحديثين مجهول.
2 - وافق ابنُ القطان أبا حاتم في تجهيله عمارةَ بن راشد، قال في بيان الوهم (3/ 508): (وعمارة بن راشد هذا مجهول، قاله أبو حاتم الرازي، وهو كما قال).
3 - قال الذهبي في تاريخ الإسلام (وفيات 101 - 120، ص430): (أرسل عن أبي هريرة).
4 - للتأمل: قال ابن أبي حاتم في المراسيل (552) والعلل (1284): سألت أبي عن حديث عمارة بن راشد، عن عبادة بن نسي، عن أبي موسى، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: (عبادة بن نسي عن أبي موسى لا يجيء).
ويبدو لي في قول أبي حاتم هذا أبعدُ من الحكم بانقطاع رواية عبادة عن أبي موسى، فلعله يستنكر أن تجيء روايةٌ عن عبادة عن أبي موسى، فهذه التركيبة غريبة منكرة في نقد أبي حاتم.
ولا أراه يتحمل ذلك إلا عمارة بن راشد، فإن الحديثَ قد جاء عنه من طريقين صالحين.
والله أعلم.
¥