ثانيا: لم أناقش رواية أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه؛ لأنها ثابتة عندي بما لا مجال للشك فيه، سليمة من التدليس والإرسال، إلا ما سيأتي بيانه لاحقا.

روى الفسوي في (المعرفة والتاريخ) بسنده عن عطاء قال: (كنا إذا خرجنا من عند جابر بن عبد الله تذاكرنا حديثه فكان أبو الزبير من أحفظنا للحديث).

وروى بسنده أيضا عن سفيان قال: (سمعت أبا الزبير يقول: كان عطاء يقدمني إلى جابر أحفظ لهم الحديث). ومثله أيضا عند ابن سعد في (الطبقات).

ولا عبرة بمن قال أن شعبة ترك حديثه عن جابر لأنه مدلس فيه، هذا لا يصح. والكلام عن تفنيد السبب مبثوث في كتب أهل العلم انظر على سبيل المثال (شرح علل الترمذي 2/ 571) و (الطقات الكبرى 5/ 481) وغيرهما.

وقد أثبت صحة سماعه من جابر رضي الله عنه الدارقطني في الأفراد له.

ثالثا: كونه وصف بالتدليس هذا أيضا مما ثبت عندي لا شك فيه، لكنه لا يوجد إلا في بعض روايته وخاصة عن: ابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وأبان بن عثمان، وعبد الرحمن بن أزهر رضي الله عنهم أجمعين. كما أفاده أبو حاتم في (المراسيل) وذكره العلائي في (جامع التحصيل) وأبو زرعة في (تحفة التحصيل).

قال ابن حجر في (المقدمة): (عابوا عليه التدليس) وقال في موضع آخر: (وضعفه بعضهم لكثرة التدليس).

أما ما قد يوصف بأنه تدليس في الرواية عن جابر وقد يصدق هذا فإنه لا ينكر؛ أنه لما قدم الليث إلى مكة أتى أبا الزبير فدفع إليه كتابين؛ فانقلبت بهما، ثم قلت في نفسي: لو عاودته فسألته هل سمع هذا كله من جابر؟ فقال: منه ما سمعت ومنه ما حدثت عنه. فقلت له: أعلم لي على ما سمعت، فأعلم لي على هذا الذي عندي.

فهذا إن ثبت فإنه قد يقع خاصة بين الأقران الذين يتناوبون الحضور على الشيخ، وفعلا تكون روايته للحديث من طريق شيخه الذي لم يسمعه منه من باب التدليس.

ولهذا قلنا: تدليس ثابت لا شك فيه، بل أن بعض أهل العلم قد أشار إلى كثرته. فلذلك نعته ابن حجر في زبدة وخلاصة كتبه الرجالية (التقريب) بالتدليس، بل قال في (طبقات المدلسين): مشهور بالتدليس.

بل وصفه أيضا قبل ابن حجر الإمام الذهبي في زبدة كتبه الرجالية (الكاشف) بأنه مدلسا.

ويكفي في بيان فضله أن أخرج له الإمام مالك والشيخين، لكن هذا لا يعني سلامته من التدليس والإرسال.

والله تعالى أعلم

طور بواسطة نورين ميديا © 2015