فهو إسنادٌ ضَعيفٌ، ويشير كلام البُخاريِّ إلى ضعفِ الحَديثِ من جميع وجوهه؛ لأنَّه ضَعَّفَ الحديث لا الإسناد وحده.
ولمّا عَرَضَ الدارقطنيّ لعلل حديث عائشة هذا في العلل ـ المخطوط ـ (5/ق51/أ-ب)، وبيّن الاضطراب فيه، وأنه رُوي من وجه آخر عن حجاج بن أرطاة عن كثير بن مُرّة الحضرمي مرسلاً، ثم قال: "وإسناد الحديث مضطرب غير ثابت".
لذلك فقد صرح أبو عبد اللَّهِ الحَاكِم النيسابوريُّ بالصواب في هذا الحديث بقوله: "إنما المحفوظ هذا الحديث من حديث الحجاج بن أرطاة عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً" شعب الإيمان للبيهقيّ (3824، 3825، 3830، 3831) وللحديث عللٌ أخرى أبانها عَمرو عبد المنعم سليم في تحقيقه لكتاب ابن الدُّبَيْثي (54ـ66).
بل لقد أشار الدَّارقطنيُّ إلى أن مرجع حديث عائشةَ إلى حديث مكحول الشامي السابق ذكره في حديث معاذ، وهذا ما مال إليه البيهقيّ في الشعب (3/ 382،383 رقم 3383، 3835)، وقد نقل ابنُ الجوزيِّ في العلل المتناهية (2/ 561 رقم 921) عن الدارقطني أنه قال: "وقد رُوي من حديث معاذ ومن حديث عائشة، وقيل إنه من قول مكحول، والحديث غير ثابت".
فعادت أحاديث معاذٍ وأبي ثعلبةَ وعائشةَ إلى أنها حديث واحد، مآله إلى أنه كلام لمكحول الشَّامي!!!.وبذلك تعرفُ الخطأ الجسيم لمن اعتبر هذه الرِّوايات روايات متعددة يَتَقَّوى بها الحديث.
ثالثًا: حديث عبد الله بن عمرو، أن رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قال: «يَطَّلِعُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى خَلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِعِبَادِهِ إِلَّا لِاثْنَيْنِ مُشَاحِنٍ وَقَاتِلِ نَفْسٍ».
أخرجه الإمامُ أحمدُ (6642)، قال: حَدَّثَنَا حَسَنٌ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ حَدَّثَنَا حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو به.
ذكر هذا الإسناد الألبانيُّ ـ رحمه اللَّهُ ـ في السِّلسة الصَّحيحة (3/ 136)، وقال: "هذا إسنادٌ لا بأس به في المتابعات والشَّواهد".
ولعل هذا من الألبانيِّ ـ رَحِمَهُ اللَّهُ ـ لاعتماده على أن الحافِظَ ابنَ حجرٍ قال عن حُيَيّ بن عبد الله: "صدوق ..... ".
ومع أن حُييّ هذا ممن اختُلف فيه، كما تجده في التهذيب (3/ 72)، فالأهم من ذلك أن أحاديث ابن لهيعة عنه بالإسناد المذكور آنفًا مناكير، كما بيّن ذلك ابنُ عدي في ترجمة حيي بن عبد الله في الكامل (2/ 450)، حيث ذكر بضعة أحاديث لابن لهيعة عن حُيَيّ عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عَمرو، ثم قال: "وبهذا الإسناد حدثناه الحسن عن يحيى عن ابن لهيعة بضعة عشر حديثاً عامتها مناكير".
وابن عدي يُعلّق نكارة هذه الأحاديث بابن لهيعة، لإحسانه الظن بحُيي بن عبد الله.
وقد ذكر الألبانيُّ لابن لهيعة متابعاً، هو رشدين بن سعد، فلو سلم الإسناد إليه، فهو ضعيف، ولا يحتمل ضَعْفُهُ مثل هذا الحديث؛ هذا إن لم تكن نكارةُ الحديث من قِبَلِ شيخهما حُيي بن عبدالله! ثم إن ابن لهيعة قد اضطرب في هذا الحديث، فمرةً يرويه كما سبق، ومَرّةً يرويه من حديث أبي موسى الأشعري (سنن ابن ماجة 1390، 1391) ومرّة يرويه عن عوف بن مالك (مسند البزار 7/ 186 رقم 2754) وقد ذكر الألبانيُّ ـ رحمه اللَّهُ ـ اضطراب ابن لهيعة هذا، في السلسة الصحيحة (1563) والغريب أن حديث ابن لهيعة المشار إليه أخيراً مرويٌّ من طريق كثير بن مُرّة الحضرمي، وقد سبق بيانُ أنّ أحدَ طرق حديث مكحول ترجع إلى أنه من حديثه عن كثير بن مُرّة فهل نعود إلى أن حديث ابن لهيعة يعود إلى حديث مكحول أيضاً؟! (وانظر السِّلسلة الصَّحيحة 3/ 137ـ138) هذا مع ما في حديث أبي موسى وعوف بن مالك من العلل الأخرى الإسنادية سوى اضطرابه المشار إليه.
وبهذا كلّه يتضح أنَّ هذه الطُّرق شديدة الضَّعف غير صَالِحَةٍ للتقوَّي.
رابعًا: حديث أبِي بَكرٍ الصَّديقِ ـ رضي اللَّهُ عنه ـ عَنْ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أنه قال: «ينزل الله عَزَّ وَجَلَّ ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لكل شيء إلا الإنسان في قلبه شحناء، أو مشرك بالله».
¥