ومِنْ أمثلةِ ذلك: ما أخرجَهُ الشيخان ([12] ( http://majles.alukah.net/#_ftn12))، مِنْ حديثِ عمرو بن عاصم؛ حدَّثنا هَمَّام، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طَلْحة، عن أنس قال: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عليَّ، قال: وحضَرَتِ الصلاةُ، فصلَّى مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا قضى الصلاةَ، قال: يا رسولَ الله، إنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فأَقِمْ فيَّ كتابَ الله؛ قال: «هل حَضَرْتَ الصلاةَ معنا؟»، قال: نعم؛ قال: «قد غُفِرَ لك».

فهذا الحديثُ صحَّحه البخاريُّ ومسلم كما سبق، وخالفهما أبو حاتم الرازيُّ والبَرْدِيجيُّ:

أما أبو حاتم: فحكَى عنه ابنُهُ عبدالرحمن ([13] ( http://majles.alukah.net/#_ftn13)) أنه قال: «هذا حديثٌ باطلٌ بهذا الإسناد».

وأما البَرْدِيجيُّ: فنقَلَ عنه ابنُ رجب ([14] ( http://majles.alukah.net/#_ftn14)) أنه قال: «هذا عندي حديثٌ مُنْكَرٌ، وهو عندي وَهَمٌ من عمرو بن عاصم».

قال ابن رجب ([15] ( http://majles.alukah.net/#_ftn15)) - عَقِبَ ذكره لكلامِ أبي حاتمٍ والبَرْدِيجي -: «وهذا الحديثُ مُخَرَّجٌ في الصحيحَيْنِ مِنْ هذا الوجه، وخرَّج مسلم ([16] ( http://majles.alukah.net/#_ftn16)) معناه أيضًا مِنْ حديثِ أبي أمامة، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فهذا شاهدٌ لحديثِ أنس.

ولعلَّ أبا حاتمٍ والبَرْدِيجيَّ إنما أنكرا الحديثَ؛ لأنَّ عمرو بن عاصمٍ ليس هو عندهما في مَحَلِّ مَنْ يُحْتَمَلُ تفرُّدُهُ بمثلِ هذا الإسناد، والله أعلم».

ثم نقَلَ ابنُ رجب ([17] ( http://majles.alukah.net/#_ftn17))، عن يحيى بن سعيد القَطَّان والإمامِ أحمد بعضَ الأمثلةِ التي تَدُلُّ على مِثْلِ ما ذهب إليه أبو حاتم والبَرْدِيجيُّ، وقال: «وهذا الكلامُ يَدُلُّ على أنَّ النَّكَارة عند يحيى القطان لا تزولُ إلا بمعرفة الحديثِ مِنْ وجه آخر، وكلامُ الإمامِ أحمد قريبٌ من ذلك ... وأمَّا تصرُّف الشيخين والأكثرين فيدُلُّ على خلاف هذا، وأنَّ ما رواه الثقةُ عن الثقة إلى منتهاه، وليس له عِلَّةٌ، فليس بمنكر».

وفي هذا دَلاَلةٌ على أنَّ الحديثَ الذي يتفرَّدُ به راوٍ من الرواة الذين لا يُحْتَمَلُ تفرُّدُهُمْ مطلقًا، أو في ذلك الحديثِ بعينِهِ، يُعَدُّ حديثًا منكرًا.

وليس للحديثِ المنكَرِ تعريفٌ متفقٌ عليه بين الأئمَّة المتقدِّمين؛ ولذا يقولُ الحافظ ابن رجب ([18] ( http://majles.alukah.net/#_ftn18)) : « ولم أقفْ لأحدٍ من المتقدِّمين على حدِّ المُنْكَرِ من الحديثِ وتعريفِهِ، إلا على ما ذكره أبو بَكْرٍ البَرْدِيجي الحافظ - وكان من أعيان الحفاظِ المبرِّزين في العلل -: أنَّ المنكر: هو الذي يحدِّث به الرجلُ عن الصحابة، أو عن التابعين عن الصحابة، لا يُعْرَفُ ذلك الحديثُ - وهو مَتْنُ الحديث - إلا مِنْ طريقِ الذي رواه؛ فيكونُ منكرًا.

ذكَرَ هذا الكلامَ في سياقِ ما إذا انفرَدَ شُعْبة، أو سعيدُ بنُ أبي عَرُوبة، أو هشامٌ الدَّسْتَوائي؛ بحديثٍ عن قتادة، عن أنس، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وهذا كالتصريحِ بأنَّ كُلَّ ما ينفردُ به ثقةٌ عن ثقة، ولا يُعْرَفُ المتنُ مِنْ غيرِ ذلك الطريق، فهو مُنْكَرٌ؛ كما قاله الإمامُ أحمد في حديثِ عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: في النَّهْيِ عن بيعِ الوَلاَء وهِبَته ....

قال البَرْدِيجي بعد ذلك: فأمَّا أحاديثُ قتادة التي يرويها الشيوخ؛ مثلُ حَمَّادِ بنِ سَلَمة، وهَمَّامٍ، وأَبَانَ، والأوزاعيِّ؛ ننظُرُ في الحديث: فإنْ كان الحديثُ يُحْفَظُ مِنْ غيرِ طريقهم عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، أو عن أنسِ بنِ مالك من وجه آخر؛ لم يُدْفَعْ، وإنْ كان لا يُعْرَفُ عن أحد، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا مِنْ طريقٍ عن أنس، إلا مِنْ روايةِ هذا الذي ذكَرْتُ لك؛ كان منكرًا.

وقال أيضًا: إذا روى الثقةُ من طريقٍ صحيحٍ عن رجل من أَصْحَاب النَّبيّ صلى الله عليه وسلم حديثًا لا يصابُ إلا عند الرجلِ الواحد؛ لم يَضُرَّهُ ألاَّ يرويَهُ غيرُهُ إذا كان متنُ الحديثِ معروفًا، ولا يكونُ منكرًا ولا معلولاً». اهـ.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015