ـ[عبد الله الحمراني]ــــــــ[14 - Jul-2009, مساء 01:22]ـ
التَّفَرُّدُ (*)
وهو مِنْ أَدَقِّ أنواعِ علومِ الحديث، وأصعَبِ أسبابِ العِلَّةِ كَشْفًا؛ ولذا جعلَهُ أهلُ العلم مِنْ أهمِ القرائن التي يُسْتعان بها على إدراك العِلَّة؛ قال ابن الصَّلاح ([1] ( http://majles.alukah.net/#_ftn1)) : « ويُستَعَانُ على إدراكها ([2] ( http://majles.alukah.net/#_ftn2)) بتفرُّدِ الرَّاوي، وبمخالفةِ غَيْرِهِ له، مَعَ قرائنَ تَنْضَمُّ إلى ذلك».
والدليلُ على دِقَّتِهِ وصعوبتِهِ: كثرةُ اختلافِ الأئمَّةِ في تطبيقِهِ، سواءٌ كان تفرُّدًا مطلقًا، أو مَعَ وجودِ مخالفةٍ.
أمَّا مع وجود المخالفة: فالخلافُ بين الأئمَّة فيه أقلُّ من خِلاَفهم في التفرُّدِ المطلق، لكنَّه ليس مِنْ مقصودنا هنا، وَيَكْفِينا فيه هذا المثال:
قال عبدالرحمن بن أبي حاتم ([3] ( http://majles.alukah.net/#_ftn3)) : « وسألتُ أبي عن حديثٍ رواه عبدالأعلى ([4] ( http://majles.alukah.net/#_ftn4))، عن سعيد ([5] ( http://majles.alukah.net/#_ftn5))، عن قتادة، عن سُلَيْمان اليَشْكُرِي، عن جابر، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي، ولاَ تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي»؟
قال أبي: رواه شُعْبة، عن قَتَادة، عن سالم بن أبي الْجَعْد، عن جابر، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
قلت: أيُّهما أشبه؟
قال: سعيدُ بنُ أبي عَرُوبَة لحديثِ قتادةَ أحفظُ».
فهذا يعني ترجيحَ أبي حاتم لرواية سعيد بن أبي عَرُوبة على رواية شُعْبة، وخالفَهُ في ذلك البخاريُّ ومسلمٌ، فأخرَجَا الحديثَ في "صحيحيهما" ([6] ( http://majles.alukah.net/#_ftn6)) من طريق شُعْبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن جابر، به.
وما ذهب إليه البخاريُّ ومسلمٌ هو الصوابُ؛ بدليلِ أنهما أخرجاه أيضًا مِنْ طُرُقٍ - غَيْرِ طريقِ قتادة - عن سالمِ بنِ أبي الجَعْد؛ وهذا يؤكِّد أنَّ الحديثَ حديثُ سالم.
وقد يخفى التفرُّد مع المخالفة على الإمامِ وإنْ كان كبيرًا؛ مثلُ الحديثِ الذي رواه عبدالله ابن نُمَيْر، عن هاشم بن هاشم، عن عائشة بنت سَعْد، عن سَعْد؛ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً ([7] ( http://majles.alukah.net/#_ftn7))؛ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ».
وخالفَهُ أبو أسامةَ حمَّادُ بنُ أسامة، فرواه عن هاشمِ بنِ هاشم، عن عامر بن سَعْد، عن أبيه، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
وسُئِل الإمامُ الدارقُطْنِيُّ ([8] ( http://majles.alukah.net/#_ftn8)) عن هذا الحديث؟ فقال: «يرويه هاشم بنُ هاشم، واختُلِفَ عنه: فرواه أبو أسامة، عن هاشم بن هاشم، عن عامر بن سعد، عن سعد، وخالفه ابن نُمَيْر، فرواه عن هاشم، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها، وكلاهما ثِقَةٌ، ولعلَّ هاشمًا سمعه منهما، والله أعلم».
فجوابُ الدارقطنيِّ هذا يَدُلُّ على أنه خَفِيَ عليه تفرُّدُ ابن نمير بهذا الوجه، وأنَّ أبا أسامة قد تُوبِعَ مِنْ عدد مِنَ الرواة؛ ولذا كان جوابُ أبي زرعة أَسَدَّ منه، فقد سأله ابن أبي حاتم ([9] ( http://majles.alukah.net/#_ftn9)) عن رواية عبدالله بن نمير هذه؟ فقال: «هكذا قال ابن نُمَيْر! وقال مَرْوانُ بن معاوية وأبو أسامة وأبو ضَمْرَةَ ([10] ( http://majles.alukah.net/#_ftn10)): عن هاشم بن هاشم، عن عامر بن سعد، عن أبيه، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وهو الصحيحُ».
والحديثُ على هذا الوجه الذي رجَّحه أبو زُرْعة أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ في "صحيحيهما" ([11] ( http://majles.alukah.net/#_ftn11)) مِنْ بعضِ هذه الطرقِ وغَيْرِها.
وأما التفرُّدُ المُطْلَقُ: فهو الذي يكثُرُ اختلافُهُمْ فيه:
¥