قال أبو نعيم: هذا حديث غريب لم يروه مرفوعا مسندا إلا العترة الطيبة خلفها عن سلفها، وما كتبناه إلا عن هذا الشيخ.
2) قلت: وأخرجه الديلمي في (مسند الفردوس رقم 5766 زغلول) من طريق الحسين بن علي مرسلا بلفظ: "من أخرجه الله عز وجل من ذل المعاصي إلى عز التقوى أغناه الله بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا بشر، ومن لم يستح من طلب المعيشة رخى الله باله، ونعم عياله، ومن زهد في الدنيا ثبت الله الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه".
3) قلت: وقد أخرجه البيهقي في (الشعب رقم 7241) عن محمد بن جعفر، ولم يذكر القسم الأخير منه؛ بلفظ: "قال جعفر بن محمد: من أخرجه الله من ذل المعصية إلى عز التقوى أغناه الله بلا مال وأعزه بلا عشيرة وآنسه بلا أنيس ومن خاف الله أخاف منه كل شيء ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء".
4) قلت: وفي (الحلية ج1/ص72) أيضا قال:
(حدثنا أبو ذر محمد بن الحسين بن يوسف الوراق، ثنا ابن الحسين بن حفص، ثنا علي بن حفص العبسي، ثنا نصير بن حمزة، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن محمد بن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من زهد في الدنيا علمه الله تعالى بلا تعلم، وهداه بلا هداية، وجعله بصيرا، وكشف عنه العمى".
5) وأخرج الإمام زيد بن علي في (مسنده) عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: (من أخلص لله أربعين صباحا يأكل الحلال، صائما نهاره، قائما ليله، أجرى الله سبحانه ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه".
رابع: من رواية عبيد بن صخر بن لوذان رضي الله عنه:
أخرجها كلٌ من:
1) أبو نعيم في (تاريخ أصبهان 2/ 332) قال: حدثنا أبي، ثنا أحمد بن جعفر بن هانئ، ثنا أبو محمد يعقوب بن يوسف بن معدان، ثنا أبو عبيدة السري بن يحيى بن السري، ثنا شعيب بن إبراهيم التيمي، ثنا سيف بن عمر الأسدي، عن سهل بن يوسف، عن أبيه، عن عبيد بن صخر بن لوذان السلمي الأنصاري؛ وكان فيمن بعثه النبي صلى الله عليه وسلم مع عماله إلى اليمن: أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى معاذ بن جبل حين بعثه وقال له: "تواضع يرفعك الله، واستدق الدنيا يلقك الحكمة، فإنه من تواضع لله واستدق الدنيا أظهر الله الحكمة من قلبه على لسانه، واحذر الهوى فإنه قائد الأشقياء إلى النار".
2) وأخرجه ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق ج58/ص410) في حديث طويل؛ قال فيه: أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي أيضا، أنا أحمد بن محمد بن أحمد البزاز، أنا عيسى بن علي بن عيسى الكاتب، أنا عبد الله بن محمد البغوي، حدثني السري بن يحيى أبو عبيدة التميمي، نا سهل بن يوسف، عن أبيه، عن عبيد بن صخر بن لوذان الأنصاري السلمي؛ وكان فيمن بعثه النبي صلى الله عليه وسلم مع عمال اليمن؛ فقال: .. وذكر الحديث بطوله؛ وفيه: "تواضع لله عز وجل يرفعك واستدق الدنيا تلقك الحكمة، فإنه من تواضع لله عز وجل واستدق الدنيا أظهر الله الحكمة من قلبه على لسانه ... ".
قلت: وطرقه كلها ضعيفة لا يصح منها شيء؛ وعليه ومن خلال ما سبق:
فالحديث بهذه الطرق مع هذه الشواهده لا يصح، بل هو حديث موضوع مكذوب؛ خاصة الطرق الموصولة منه، وإن كانت المرسلة أخف شأنا لكنها كلها لا تصح، بل أن كلَّ من ألف في الموضوعات قد أورد هذا الحديث من ضمن أحاديث الكتاب الموضوعة.
· قال ابن الجوزي بعد ذكره للحديث:
(وقد عمل جماعة من المتصوفة والمتزهدين على هذا الحديث الذي لا يثبت، وانفردوا في بيت الخلوة أربعين يوما، وامتنعوا عن أكل الخبز، وكان بعضهم يأكل الفواكه ويتناول الأشياء التي تضاعف قيمتها قيمة الخبز، ثم يخرج بعد الأربعين فيهذي، ويخيل إليه أنه يتكلم بالحكمة.
ولو كان الحديث صحيحا فإن الإخلاص يتعلق بقصد القلوب؛ لا بفعل البدن، فلله در العلم).
· وقال الإمام المنذري في (الترغيب والترهيب رقم 13 ابن كثير):
(ولم أره في شيء من الأصول التي جمعها، ولم أقف له على إسناد صحيح ولا حسن؛ إنما ذكر في كتب الضعفاء كالكامل وغيره).
· وقال العلامة ابن بدران في (شرح كتاب الشهاب ص75):
(يشبه أن يكون من كلام بعض العارفين).
· قال المناوي في (فيض القدير ج6/ص44):
(وروي أيضا عن التستري: من زهد في الدنيا أربعين يوما مخلصا في ذلك ظهرت له الكرامات ومن لم تظهر له فلعدم الصدق في زهده.
وحكمة التقييد بالأربعين: أنها مدة يصير المداومة على الشيء فيها خلقا كالأصلي الغريزي كما مر.
وأخذ جمع من الصوفية منه؛ أن خلوة المريد تكون أربعين يوما، واحتجوا بوجوه أخر أظهرها: أنه سبحانه خمر طينة آدم أربعين صباحا).
قلت: وقد نافح عن هذا الحديث أحمد بن الصديق الغماري، ولا يخفاكم سبب منافحته عنه، فالرجل صوفيٌ بحت لا عبرة بتعصبه في مجال الحكم على الحديث؛ حيث قال في (المداوي 6/ 111):
(ولكن مع كثرة طرقه وشواهده المذكورة لا يتهيأ الحكم عليه بالوضع؛ لا يبعد الحكم بحسنه، لأن طريق مكحول المرسلة رجالها رجال الصحيح، فلم يبق فيها إلا الإرسال؛ وقد تعضد بوصله من طرق أخرى، فيثبت الحديث إن شاء الله).
قلت: بل والله ما صدقت ولا بررت بحكمك، بل شطحت ونسفت كل قواعد التخريج بتعصبك، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
فمن قال أن طريق مكحول المرسلة رجالها رجال الصحيح؟!
ومن قال أن شواهده الموصولة تصلح لأن تكون عاضدة له مع بيان ضعفها وتحققه؟!
إنما والله هي المنافحة العمياء عما يعتقده هو وأقطابه.
فرحمك الله يا أيها الإمام ابن الجوزي لما قال: (فلله در العلم).
· ومما ركب على مثل هذا الحديث ما روي: "من أكل من الأرز أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه".
وهذا كذب صريح قبح الله من وضعه.
والحمد الله الذي بتمامه تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على نبينا ورسولنا محمد.
¥