وهذا رأي المهلب، حيث يرى أن هذه الرواية حجة لأهل السنة في قولهم: إن لله أن يعذب من لم يكلفه لعبادته في الدنيا؛ لأن كل شيء ملكه، فلو عذبهم لكان غير ظالم لهم.
وتعقب: بأن أهل السنة إنما تمسكوا في ذلك بقوله تعالى: [لا يسئل عما يفعل ويفعل وهم يسئلون]، وبقوله: [ويفعل الله ما يشاء]، وغير ذلك، وهو عندهم من جهة الجواز، وأما الوقوع ففيه نظر.
وممن ذهب إلى قبول الرواية مطلقا: القاضي عياض، والكرماني.
قال القاضي عياض في تعليقه على الرواية: (قال بعض المتعقبين: هذا وهم، والمعروف في الإنشاء إنما هو للجنة. قال القاضي رحمه الله: لا ينكر هذا، وأحد التأويلات التي قدمنا في القدم _ أنهم هم قوم تقدم في علم الله أنه يخلقهم لها _ مطابق للإنشاء، وموافق لمعناه ... ، ولا فرق بين الإنشاء للجنة أو النار، لكن ذكر القدم بعد ذكر الإنشاء هنا يرجح أني يكون تأويل القدم بخلافه، بمعنى القهر والسطوة، أو قدم جبار وكافر من أهلها كانت النار تنتظر إدخاله إياها بإعلام الله لها، أو الملائكة الموكلين بما أمرهم ... ) أهـ.
وقال الكرماني في تعليقه على الرواية: (قيل: وهذا وهم من الراوي؛ إذ تعذيب غير العاصي لا يليق بكرم الله تعالى، بخلاف الإنعام على غير المطيع. قال: ولا محذوراً في تعذيب الله من لا ذنب له؛ إذا القاعدة القائلة بالحسن والقبح العقليين باطلة، فلو عذبه لكان عدلاً، والإنشاء للجنة لا ينافي الإنشاء للنار، والله يفعل ما يشاء، فلا حاجة إلى الحمل على الوهم) أهـ.
المبحث الخامس
الترجيح
الذي يظهر صوابه _ والله تعالى أعلم _ هو القول بضعف الحديث بهذا اللفظ، والجزم بوقوع الغلط فيه.
ويدل على وقوع الغلط فيه وجوه:
الأول: أن الحديث رواه ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روي عنهم من طرق متعددة على الوجه الصحيح، وليس في هذه الطرق ذكر لهذا اللفظ المشكل، مع اتحاد لفظ الحديث في أغلب هذه الأحاديث والطرق، وفيما يلي تفصيل هذه الطرق وبيان ألفاظها:
الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
وقد روي عنه من ثلاثة طرق:
الأول: طريق الأعرج (عبد الرحمن بن هرمز)، عن أبي هريرة، به.
وقد روي عن الأعرج من طريقين:
1 - طريق صالح بن كيسان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به.
وهذه الطريق هي التي وقع فيها اللفظ المشكل، وقد تقدم ذكر لفظها في أول المسألة.
2 - طريق أبي الزناد (عبد الله بن ذكوان)، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تحاجت النار والجنة فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم؟ فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكم ملؤها. فأما النار فلا تمتلئ، فيضع قدمه عليها فتقول: قط قط. فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض". (صحيح مسلم)
الثاني: طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "احتجت الجنة والنار فقالت الجنة: يا رب ما لي لا يدخلني إلا فقراء الناس وسقطهم؟ وقالت النار: ما لي لا يدخلني إلا الجبارون والمتكبرون؟ فقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء. وقال للجنة: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها. فأما الجنة فإن الله ينشئ لها ما يشاء، وأما النار فيلقون فيها وتقول: هل من مزيد؛ حتى يضع قدمه فيها، فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض وتقول: قط قط قط" (صحيح مسلم، مسند أحمد)
الثالث: طريق همام بن منبه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ قال الله تبارك وتعالى للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها. فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول: قط قط قط. فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله عز وجل من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله عز وجل ينشئ لها خلقا" (صحيح البخاري)
الثاني: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:
¥