ـ[محمد أبو زيد]ــــــــ[10 - Jul-2009, مساء 09:03]ـ
المبحث الخامس: كتابة الصحابة بعضهم إلى بعض أو عن بعض
فقد كان لقدوته r آثارها الفاعلة في صحابته الكرام، فكتب بعضهم إلى بعض بما تلقوه منه r، تبليغا أو استدلالا أو تذكيرا، وأيضا كتب بعضهم عن بعض، ولو جمع الآن ما هو متفرق في دواوين السنة من تلك الكتابات، لظهر لنا أن كميته أكثر جدا مما جمع من كُتبه r التي تقدم ذكرها في المبحث السابق، ولكن يكفينا في الدلالة على ذلك بعض الأمثلة فمن ذلك ما جاء عن القعقاع بن حكيم أن عبدالعزيز بن مروان كتب إلى عبدالله بن عمر أن ارفع إليَّ حاجتك، قال: فكتب إليه عبدالله: إني سمعت رسول الله r يقول: «ابدأ بمن تعول واليد العليا خير من اليد السفلى» صلى الله عليه وسلم [1] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=251009&posted=1#_ftn1)).
وكان لعبدالله بن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه، فكتب إليه مرة عبدالله بن عمر: أنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر فإياك أن تكتب إليَّ، فإني سمعت رسول الله r يقول: «سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر» صلى الله عليه وسلم [2] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=251009&posted=1#_ftn2)).
وعن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي: أنه كان مع عقبة بن فرقد بأذربيجان أو بالشام قال: جاءنا كتاب عمر: أما بعد يا عتبة بن فرقد… الحديث وفيه: كان رسول الله r نهى عن لبوس الحرير إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله r إصبعه الوسطى والسبابة وضمهماصلى الله عليه وسلم [3] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=251009&posted=1#_ftn3))، قال زهير: قال عاصم: هذا في الكتابصلى الله عليه وسلم [4] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=251009&posted=1#_ftn4)).
وفي رواية لأحمد: عن أبي عثمان النهدي أيضا، كنا مع عتبة بن فرقد، فكتب إليه عمر بأشياء يحدثه عن النبي r فكان فيما كتب إليه: أن رسول الله r قال: «لا يلبس الحرير في الدنيا إلا من ليس له في الآخرة من شيء، إلا هكذا وقال: بإصبعه السبابة والوسطى» صلى الله عليه وسلم [5] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=251009&posted=1#_ftn5)).
ومن ذلك ما أخرجه الحميدي بسند صحيح أن الشعبي قال: كتب معاوية بن أبي سفيان إلى عائشة -رضي الله عنها - أن اكتبي إليَّ بشيء سمعتيه من رسول الله r قال فكتبت إليه: سمعت رسول الله r يقول: إنه من يعمل بغير طاعة الله يعود حامده من الناس ذامًّاصلى الله عليه وسلم [6] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=251009&posted=1#_ftn6)).
وأخرج البخاري في الصحيح من طريق ورَّاد -كاتب المغيرة بن شعبة- قال: أملى عليَّ المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية: «أن النبي r كان يقول في دُبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له» الحديثصلى الله عليه وسلم [7] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=251009&posted=1#_ftn7)).
ومن هذا يظهر أن تلك المكاتبات شارك فيها الصحابة والصحابيات، ولاسيما عائشة -رضي الله عنها أم المؤمنين-.
خاتمة في خلاصة نتائج البحث
مما تقدم خلال فقرات هذا البحث نستخلص النتائج التالية:
1 - أن نهي الرسول r عن كتابة السنة عنه ثابت صحيح، ولكنه لا يتعارض مع ما صح أيضا عنه من الإذن بذلك، لأنه أمكن التوفيق بينهما بوجوه متعددة معتدّ بها، ومقنعة لمن كان له قلب واع، والتزام بالحقائق العلمية الثابتة.
2 - أنه ثبت عنه r الإذن بنوعيه الخاص والعام، وذلك من دلائل عنايته بكتابة السنة عنه في حياته، وتبليغها لمن بعده.
3 - أن حرص الصحابة على طلب الإذن بالكتابة للسنة دليل على عنايتهم بذلك، دون الاقتصار على حفظهم لها في الصدور رغم تمتعهم بالحافظة القوية، وتطبيقهم العملي لها في الليل والنهار.
كما أنهم بمجرد الإذن النبوي لهم قاموا بالكتابة كل على قدر طاقته، وكتب بعضهم إلى بعض.
كما تنوعت كتابتهم بين جمع عام لما تلقاه الصحابي، وبين تصنيف موضوعي في موضوعات خاصة.
4 - أن كتابات الصحابة، وإن لم يوجد كل منها إلى الآن بصورته التي كتبه عليها الصحابي، إلا أنها قد وجدت متضمنة في ثنايا المصادر الحديثية الأصلية بأسانيدها إلى الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- وهي متداولة الآن بيننا.
5 - أن الرسول r لم تقتصر عنايته بكتابة السنة عنه على الإذن العام والخاص، ولكنه أمر أيضا أمرًا وجوبيا بكتابة الكثير منها.
6 - أن الشبه التي أثيرت قديما وحديثا حول كتابة السنة في عصره r حال التلقي منه مباشرة أو بالواسطة في عصر صحابته الكرام، كل ذلك مردود على قائله جملة وتفصيلا. والله ولي التوفيق. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[/ URL]([1]) أخرجه الإمام أحمد في المسند (2/ 152 - ح 6402) وإسناده حسن.
( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=251009&posted=1#_ftnref1)([2]) أخرجه الإمام أحمد في المسند (2/ 9) حديث (5639) بإسناد حسن، ومن طريقه أخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 84). ومن طريق غيره أيضًا وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
([3]) إشارة إلى أنه لا يحل إلا مقدار أصبعين فقط.
( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=251009&posted=1#_ftnref3)([4]) رواه الإمام مسلم في صحيحه من طرق عن أبي عثمان النهدي حديث (2069) مكررًا.
([5]) المسند للإمام أحمد (1/ 36) حديث (243).
( http://majles.alukah.net/showthread.php?p=251009&posted=1#_ftnref5)([6]) أخرجه الحميدي في مسنده (1/ حديث (265) ومن طريقه أخرجه البيهقي في الزهد الكبير له حديث (886) وتنظر رواية أخرى مما كتبت به لمعاوية –رضي الله عنهما- في مسند أحمد 6/ 86 - 87 حديث (24566).
[ URL="http://majles.alukah.net/showthread.php?p=251009&posted=1#_ftnref7"]([7]) صحيح البخاري مع الفتح كتاب الأذان (2/ 325) حديث (844).