والثانية: طريقة الكتابة بجانب الحفظ في الذاكرة وذلك في ما كان متيسرًا مما يكتب عليه حينذاك، من العظام والجلود والأوراق.
لكن هذه الطريقة الثانية لم تأخذ حظًا كافيًا من إظهار دلائلها وصور العناية بها، وتعداد من قام بها من الصحابة والتابعين في مباحث خاصة بذلك، ولعل ذلك لأنها لم تكن محل شك أو إنكار في عصور تدوين السنة في مصنفات خلال القرن الثاني والثالث.
لكن جاء في العصور المتأخرة غير واحد، ممن ينسبون إلى البحث والاطلاع والتمحيص ينتقدون السنة النبوية من جهة عدم العناية بكتابتها وتدوين مروياتها وتصنيفها في مصنفات متداولة إلا في وقت متأخر عن عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، ويرتبون على ذلك الزعم بكثرة الدخيل فيها عند تصنيفها المتأخر عن عصر النبوة والصحابة.
وقد نهض -بحمد الله- من الباحثين المخلصين مَن ناقش هذه الانتقادات وردها جملة وتفصيلاً بالأدلة المناسبة، وذلك مثل الشيخ المعلمي - رحمه الله- في كتاب: «الأضواء الكاشفة» والدكتور محمد عجاج الخطيب في كتابه: «السنة قبل التدوين» يعني قبل كتابتها كتابة عامة بأمر الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز في مدونات جامعة، والأستاذ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه: «دراسات في الحديث النبوي» ([3] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn3)) وغير هؤلاء كثير.
وما أقدمه اليوم هو مساهمة متواضعة في البيان الواقعي للعناية الظاهرة بكتابة السنة النبوية في عصره صلى الله عليه وسلم وعصر صحابته الكرام، مع الإذن العام في ذلك فمن وقائع عنايته صلى الله عليه وسلم بكتابة السنة: ما رواه رافع بن خديج -رضي الله عنه- قال: مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا ونحن نتحدث فقال: «ما تحدثون؟» فقلنا: ما سمعنا منك يا رسول الله، قال: «تحدثوا وليتبوأ مقعده مَن كذب عليَّ من جهنم» ومضى لحاجته، وسكت القوم فقال: «ما شأنهم لا يتحدثون؟» قالوا: للذي سمعناه منك يا رسول الله. قال: «إني لم أرد ذلك، إنما أردت مَن تعمد ذلك» فتحدثنا، قال: قلت: يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها؟ قال: «اكتبوا ذلك ولا حرج» ([4] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn4)).
وفي الحديث كما نرى أمر بمعنى الإذن في كتابة الحديث عمومًا مع اجتناب الكذب عليه صلى الله عليه وسلم قولاً وكتابة.
وللحديث شواهد منها:
ما أخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 106) من طريق عبدالله بن المؤمل، والنسائي في الكبرى (التحفة 3/ 8885) من طريق الوليد بن مسلم، كلاهما عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح، عن عبدالله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قيدوا العلم» قلت: وما تقييده؟ قال: «كتابته».
وروي الحديث عن أنس -رضي الله عنه- مرفوعًا وموقوفًا ([5] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn5)) وتضعيف المرفوع ينجبر بالشاهد السابق والآتي.
ولفظ رواية النسائي: إن عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: يا رسول الله إنا نسمع منك أحاديث أفتأذن لنا أن نكتبها؟ قال: «نعم» فكان أول ما كَتبَ: كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة. «لا يجوز شرطان في بيع واحد، ولا بيع وسلف جميعًا…» الحديث.
وما في سند هذا الحديث من عنعنة ابن جريج ينجبر بباقي الطرق السابقة واللاحقة فيرتقي إلى الصحيح لغيره ([6] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn6)) وعن عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله r فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله r فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق» ([7] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn7)).
وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: ما من أصحاب النبي r أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبدالله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب ([8] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_ftn8)).
¥