بعد ذلك يأتينا شرط الضبط وهو القسم الثاني مما يناقض العدالة: وهو أن يثبت على هذا الراوي ما يناقض العدالة، إما بفسقه أو كذبه واتِّهامه في الحديث، إذا ثبت أنه فاسق بكبيرة من كبائر العلماء يضعف حديثه ولا يُقبَل؛ لأنه ساقط العدالة، كأن يكون شرَّابا للخمر أو مشهورا بالفواحش، وقد وجد من هؤلاء في الرواة من هو كذلك، وأسقط العلماء أحاديثهم، أو ثبت عليه أنه يكذب في حديث النبي -عليه الصلاة والسلام- فإذا ثبت ولو مرة واحدة قضينا على أحاديثه بأنها .. أو قضينا عليه بأنه ساقط العدالة، أو كان متهما بالكذب، إما أن تقوم القرائن على كذبه في حديث النبي -عليه الصلاة والسلام- لكن لم نقطع بها، أو أنه يكون معروفًا بالكذب في حديث الناس، فمثل هذا يسمى المتهم، إذا كان متهما كان ساقط العدالة.
كذلك إذا ثبت أنه يسرق الحديث فهذا ينافي العدالة، فإذا وصف بأنه يسرق الحديث أسقطنا عدالته، إذا سقطت العدالة سقط حديثه بالكلية، إذا أسقطنا العدالة وقضينا عليه بأنه ساقط العدالة أسقطنا الحديث كلية فلا يقبل، أما إذا جهلنا حاله أو عينه لا ندري عن هذا الرجل .. لا ندري هل هو عدل أو ضعيف، فإننا عندئذ لا نسقط حديثه بالكلية وإن كنا لا نقبله بل نرده ونجعله حديثا ضعيفا، ولكن ليس إسقاطه كإسقاط الذي قبله؛ لأن مجهول العدالة، يبقى عند العلماء فيبقى حديثه قابلا للاعتضاد إذا جاء ما يعضده، خاصة في مجهول الحال.
الشرط الثالث: اشترطوا في الحديث الصحيح أن يكون إسناده متصلا، واتصال الإسناد معناه: أن يأخذ كل راو ممن فوقه بإحدى طرق التحمل الصحيحة، يعني: لا بد أن يكون كل راوٍ قد روى عن شيخه، وهو الذي فوقه، أو روى عمن حدّث عنه بطريقة صحيحة من طرق التحمل إما بالسماع أو بالقراءة أو بالإجازة المقرونة بالمناولة، أما إذا كان ثبت أنه لم يسمع منه فإننا حينئذ نحكم على الحديث بأنه منقطع ولا يكون حديثا صحيحا، فإذا كان في الإسناد انقطاع بأي وجه من الوجوه سواء كان بإعضال أو إرسال أو تدليس فإننا لا نحكم على الحديث بأنه صحيح؛ لفقده شرطا من شروط الحديث الصحيح وهو اتصال السند.
كذلك إذا كان الراوي قد تحمل الحديث ممن فوقه وأخذه بطريقة من طرق التحمل غير الصحيحة؛ لأن طرق التحمل ثمان: منها ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف كما سيأتي إن شاء الله، فإذا تحمل عن طريق الوجادة، أو عن طريق الوصية، أو عن طريق الإعلام الذي ليس مقرونا بإجازة، فإنه يقال: هذا تحمل ضعيف، ويكون في حكم الإسناد المنقطع، فصار عندنا الحديث الصحيح لا بد أن يكون إسناده متصلا، وهذا يخرج ما إذا كان الإسناد منقطعا أو كان الإسناد متحملا بطريقة من طرق التحمل الضعيفة أو التي لا تصح.
الشرط الرابع: وهو أن يكون الحديث سالما من الشذوذ، والشاذ عرفوه بأنه مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، ومرادهم بسلامته من الشذوذ: أن يكون الشذوذ منتفيا عنه في إسناده ومتنه، وسيأتي إن شاء الله بيان للشاذ في الأنواع القادمة، لكن الذي يجب أن يعرف هو أن يكون الحديث قد انتفى عنه الشذوذ، كذلك يجب أن يكون الحديث الصحيح قد انتفت عنه العلة، والعلة كما سيأتينا إن شاء الله سبب خفي يقدح في الحديث مع أن الظاهر السلامة منه، وسيأتي إن شاء الله بيان للحديث المعلل.
لكن الذي يجب أن يعرف هنا: يجب أن يكون الحديث الصحيح سالما أيضا من العلة، فإن كان في الحديث شذوذ أو علة فإنه لا يحكم عليه بأنه حديث صحيح، إنما يحكم عليه بأنه حديث صحيح إذا سلم من الشذوذ والعلة مع استيفائه الشروط الثلاثة المتقدمة، فصار الحديث الصحيح لا بد أن يكون مستوفيا هذه الأشياء الخمسة، الأول منها والثاني والثالث، هذه قد تكون أسهل الجميع في الإدراك، الأول والثاني يعرف بممارسة كلام العلماء في الجرح والتعديل، ومن معرفة الألفاظ التي يطلقونها.
¥