وهذه الرواية لم تروى إلا من طريق واحد قد أتى موافقا للمتن الصحيح غير المضطرب والموافق لطريق عبد الرزاق وابن المبارك؛ وهو طريق شعيب بن أبي حمزة؛ أخرجه:
البيهقي في (الشعب رقم 6182) قال:
(أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني ببخارى، أخبرنا علي؛ يعني ابن محمد بن عيسى، حدثنا الحكم بن نافع أبو اليمان، أخبرني شعيب، عن الزهري، قال: حدثني من لا أتهم، عن أنس بن مالك أنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فذكر الحديث بنحوه غير أنه قال: فإذا توضأ أسبغ الوضوء وأتم الصلاة ثم أصبح مفطرا.
قال عبد الله بن عمرو: فرمقته ثلاثة أيام وثلاث ليال لا يزيد على ذلك غير أنه لا أسمعه يقول إلا خيرا ... وذكر الحديث ثم قال في آخره: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي سوءا لأحد من المسلمين، ولا أقوله، ولا أحسده خيرا أعطاه الله إياه، قال: فقلت: هؤلاء اللاتي بلغن بك، وهي التي لا أطيق).
قلت: أما رواية عقيل بن خالد عن الزهري في الإسناد السابق؛ فإنها مضطربة جدا ومختلف فيها؛ حيث قال في متنه: فطلع سعد بن أبي وقاص لم يقل رجل من الأنصار.
وهذه الطريق رواها ابن وهب، عن حيوة عنه، وهي مخالفة للثابت من طرقه. سواء ما قيل أنها مرسلة أو متصلة.
قال ابن عساكر في (تاريخ دمشق 20/ 326):
(أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن علي بن عبد الملك، أنبأنا أبو طاهر أحمد بن محمود الثقفي، أنبأنا أبو بكر محمد بن إبراهيم، أنبأنا محمد بن الحسن بن قتيبة، ثنا حرملة بن يحيى التجيبي، ثنا ابن وهب، أخبرني حيوة، أخبرني عقيل، عن ابن شهاب، حدثني من لا أتهم، عن أنس قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة" فأطلع سعد بن أبي وقاص، حتى إذا كان الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فطلع سعد بن أبي وقاص على مرتبته الأولى، حتى إذا كان الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فطلع سعد بن أبي وقاص على مرتبته، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثار عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني عارضت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاث ليال، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تحل يميني فعلت. قال أنس: فزعم عبد الله بن عمرو أنه بات معه ليلة حتى كان مع الفجر، فلم يقم من تلك الليلة شيئا غير أنه كان إذا انقلب على فراشه ذكر الله وكبره حتى يقوم مع الفجر، فإذا صلى المكتوبة أسبغ الوضوء وأتمه، ثم يصبح مفطرا، قال عبد الله بن عمرو: فرمقته ثلاث ليال وأيامهن لا يزيد على ذلك غير أني لا أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أحتقر عمله فقلت: إنه لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك فيك ثلاث مرات في ثلاث مجالس: "يطلع عليكم رجل من أهل الجنة" فأطلعت أولئك المرات الثلاث، فأردت أن آوي إليك حتى أنظر ما عملك فأقتدي بك، فلم أرك تعمل كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال: ما هو إلا الذي قد رأيت. قال: فلما رأيت ذلك انصرفت عنه، فدعاني حين وليت فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي سوءا لأحد من المسلمين ولا أقوله، قال: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا أطيق.
على أنه قد اختلف أيضا عن عقيل بن خالد في سند هذا الحديث مع بقاء غلط النسبة لسعد، فقد رواه عنه ابن لهيعة أنه سمع ابن شهاب يخبر عن أنس بن مالك ... ، كما عند البزار في (المسند رقم 6307).
فلذلك قال ابن أبي حاتم في (العلل رقم 2611):
(سألت أبي عن حديث رواه الزهري، عن يزيد بن وديعة بن خذام، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأنصار أعفة صبر".
وعن حديث رواه الزهري، عمن لا يتهم، عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يطلع عليكم رجل من أهل الجنة" فطلع سعد.
وعن حديث رواه الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: ذكر عبد الله بن شريح الحضرمي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ذاك رجل لا يتوسد القرآن".
فقال أبي: قد تفرد الزهري برواية هذا الحديث وأحاديث معه).
قلت: وفي إشارة ابن أبي حاتم لوالده على هذه الطريق إفادة أنها معلة لم تثبت عنده. فتأمل
¥