تحتمل اللقاء، ومعنى هذا أنه يكتفي بالمعاصرة.

وإلى هذا المعنى ذهب مسلم -رحمه الله تعالى- حيث قال: وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديماً وحديثاً أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثاً وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه لكنهما جميعاً كانا في عصر واحد، وإن لم يأتِ في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة والحجة بها لازمة، إلا أن تكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئاً فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا فالرواية على السماع أبداً حتى تكون الدلالة التي بينا، انتهى كلامه.

وإلى هذا المعنى أيضاً ذهب الحافظ أبو عمرو المقرئ الداني في جزء له، وضعه في بيان المتصل والمرسل والمنقطع، فقال: المسند من الآثار التي لا إشكال في اتصاله هو ما يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه بسن يحتملها، وكذلك شيخه عن شيخه إلى أن يصل الإسناد إلى الصحابي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هذا نفس كلام الحاكم، فهذا موافق ظاهره لهذه الرواية، وقد يحتمل أن يكون مراده بقوله: يظهر سماعه بسن تحتمله أي أنه يعلم السماع بقوله، وتكون سنه تصدق ذلك، والله أعلم، إلى آخر كلامه حيث نقل نقولاً كثيرة عن أهل العلم في هذا الشأن، ويأتي -إن شاء الله- غداً تحرير القول في هذه المسألة، ولا يعني كون الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- يشترط هذا الشرط، وأنه لا يقول باشتراط اللقاء، ولا ثبوت السماع لا يعني أنه طبق هذا في كتابه، أن كتابه مبني على هذا الشرط، لا يلزم من اكتفائه بالمعاصرة أن يكون كتابه مبنياً على هذا، لماذا؟ لأنه يجمع الحديث الواحد في مكان واحد بجميع طرقه، فإذا ساق طريق اكتفي فيه بالمعاصرة لا بد أن يوجد من هذه الطرق طرق يروي بعضهم عن بعض ممن ثبت لقاء بعضهم لبعض، يعني كون الإمام مسلم يكتفي بهذا في التصحيح لا يعني أنه طبقه في كتابه، لا يلزم منه هذا، وكون الإمام البخاري يشترط ويتشدد في هذا الباب ويحتاط للسنة لا يعني أنه يرد تصحيح الآخرين، ومذهب مسلم جرى عليه المتأخرون، فينظرون في ترجمة الراوي، وترجمة من روى عنه فإن وصف بالتدليس ردوها؛ لأنه مدلس حتى يثبت التصريح بالسماع، وإن كان لم يوصف بالتدليس اكتفوا بأن السن يحتمل، هذا مولود سنة مائة، وهذا توفي مثلاً سنة مائة وعشرين، أو مائة وثلاثين، هذا يكتفون بمثله عند التطبيق، وإذا دلت القرائن على أن هذا لم يلتق بهذا ولم يره ولم يسمع عنه ردوه لهذا، والله أعلم.

ـ[عبد الكريم بن عبد الرحمن]ــــــــ[03 - Jul-2009, مساء 01:02]ـ

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

بدأنا الكلام في الدرس الماضي عن السند المعنعن، وخلاف أهل العلم فيه اتصالاً وانقطاعاً، فقال الناظم -رحمه الله تعالى- في البيت الأول:

وصححوا وصل معنعن سلم

ج

من دلسة راويه واللقا علم

ج

الناظم -رحمه الله تعالى- كأنه يشير بهذا إلى رأي من يقول بقبول السند المعنعن إذا سلم المعنعِن من التدليس، وعلم لقاء الراوي لمن روى عنه، وفي هذا القول القائل به لا يكتفي بالمعاصرة، ومن أهل العلم كالحاكم والخطيب وابن عبد البر حكوا الإجماع على هذا، أنه موصول إذا توافر فيه هذان الشرطان، السلامة من التدليس، وثبوت اللقاء؛ لأنه قال:

وبعضهم حكى بذا إجماعا

ج

ومسلم لم يشرط اجتماعا

ج

سمعنا بعض ما قاله الإمام مسلم في المسألة، وأنه يكتفي بالمعاصرة مع إمكان اللقاء، وأنه شدد في ذلك، وشدد النكير على من اشترط اللقاء، وذكرنا بعض كلامه الشديد في حق من قال بهذا القول المخترع الذي يقصد من ورائه صاحبه هدم السنة، وعرفنا أنه لا يقصد بهذا لا البخاري ولا علي بن المديني، وإن قالا بذلك، وإنما يقصد الرد على مبتدع يريد هدم السنة مستفيداً من قول الإمام البخاري، واحتياط الإمام البخاري واحتياط علي بن المديني، ونظرنا على هذا بما فيه الكفاية -إن شاء الله تعالى-.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015