المذهب الثاني: وهو أيضاً من مذاهب أهل التشديد إلا أنه أخف من الأول، وهو ما حكاه الإمام أبو عمرو النصري، ابن الصلاح، قال: وذكر أبو المظفر السمعاني في العنعنة أنه يشترط طول الصحبة بينهم، قلت: وهذا بلا ريب يتضمن السماع غالباً لجملة ما عند المحدث أو أكثره، ولا بد مع هذا أن يكون سالماً من وصمة التدليس، وحجة هذا المذهب هي الأولى بعينها، ولكنه خفف في اشتراط السماع تنصيصاً في كل حديث حديث لتعذر ذلك؛ ولوجود القرائن المفهمة للاتصال من إيراد الإسناد وإرادة الرفع بعضهم عن بعض عند قولهم: فلان عن فلان مع طول الصحبة.
المذهب الثالث: وهو رأي كثير من المحدثين منهم الإمام أبو عبد الله البخاري، وشيخه أبو الحسن علي بن المديني وغيرهما نقل ذلك عنهم القاضي أبو الفضل عياض وغيره، وهو مذهب متوسط، اشتراط ثبوت السماع أو اللقاء في الجملة لا في حديث حديث، يقول: وهذا هو الصحيح من مذاهب المحدثين، وهو الذي يعضده النظر، فلا يحمل منه على الاتصال إلا ما كان بين متعاصرين يعلم أنهما قد التقيا من دهرهما مرة فصاعداً، وما لم يعرف ذلك فلا تقوم الحجة منه إلا بما شهد لفظ السماع أو التحديث، أو ما أشبه من الألفاظ الصريحة إذا أخبر بها العدل عن العدل، وحجة هذا المذهب أيضاً ما تقدم من إجماع جماهير النقلة على قبول الإسناد المعنعن وإيداعه كتبهم التي اشترطوا فيها إيراد الصحيح مع ما تقرر من مذهبهم أن المرسل لا تقوم به حجة، وأنهم لا يودعون فيها إلا ما اعتقدوه أنه مسند.
قال أبو عمر بن عبد البر الإمام الحافظ: وجدت أئمة الحديث أجمعوا على قبول المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطاً ثلاثة: عدالتهم، ولقاء بعضهم لبعض مجالسة ومشاهدة، وبراءتهم من التدليس، هكذا ينقل الإجماع ابن عبد البر، قال أبو عمرو بن الصلاح الإمام الناقد: والاعتماد في الحكم بالاتصال على مذهب الجمهور إنما هو على الإدراك واللقاء، قلت: وقد كان ينبغي من حيث الاحتياط أن يشترط تحقق السماع في الجملة لا مطلق اللقاء، فكم من تابعٍ لقي صاحباً ولم يسمع منه، وكذلك من بعدهم، وينبغي أن يحمل قول البخاري وابن المديني على أنهما يريدان باللقاء السماع، وهذا الحرف لن نجد عليه تنصيصاً يعتمد، وإنما وجدت ظواهر محتملة أن يحصل الاكتفاء عندهم باللقاء المحقق وإن لم يذكر سماع، وألا يحصل الاكتفاء إلا بالسماع، وأنه الأليق بتحريهما والأقرب إلى صوب الصواب، فيكون مرادهما باللقاء والسماع معنىً واحداً، وفي قول مسلم حاكياً القول الذي تولى رده ما يقتضي الاكتفاء بمجرد اللقاء، حيث قال في تضاعيف كلامه: ولم نجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط، أو تشافها بحديث ... الفصل، يعني إلى آخر الفصل، فظاهر هذا الكلام أن أحدهما بدل من الآخر، وأن (أو) للتقسيم لا بمعنى الواو، وقد أتى به أيضاً في أثناء كلامه بالواو فقال: وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام، وكرره أيضاً بالواو، قال: ثم أدخلت فيه الشرط بعد، فقلت: حتى نعلم أنهما قد كان التقيا مرة فصاعداً، وسمع منه شيئاً، وهذا أبين ألفاظه، وقال الحافظ أبو عبد الله بن البيع الحاكم في كتابه: معرفة علوم الحديث، في النوع الحادي عشر منه المعنعن بغير تدليس متصل بإجماع أهل النقل على تورع رواته عن التدليس.
وقال الإمام الفقيه المحدث أبو الحسن القابسي: وكذلك ما قالوا فيه عن وعن فهو أيضاً من المتصل إذا عرف أن ناقله أدرك المنقول عنه إدراكاً بيناً ولم يكن ممن عرف بالتدليس، قلت: وقولهما معاً لا يخلو من إجمال، إذ لا بد أن يكون مراد الحاكم ثبوت المعاصرة أو السماع، إذ لا يقبل معنعن ممن لم تصح له معاصرة، فلا بد من قيد، وكأنه اكتفى عنه بقوله: على تورع رواته عن التدليس، وقد سبق له في كتابه هذا من النوع الرابع منه في معرفة المسانيد من الأحاديث تقييد ذلك بما نصه: والمسند من الحديث أن يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه بسن محتملة، وفي كتابه معرفة علوم الحديث: ليس، ولسن أو بسن كأنها أظهر، وكذلك سماع شيخه من شيخه إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إلا أن هذا الموضع من كتاب الحاكم فيه اضطراب بين رواته، فروي ما ذكرناه بسن محتملة، وعند ابن سعدون: بسن يحتمله، والمعنى واحد، أي أنه يكتفى في ظهور السماع بكون السن
¥