ثانياً: لكن هذا الحماس والانفعال بما لمسوه من قصور وتجاوز جعل فيما كتبوه بعض الملحوظات في الاستنتجاج وفي النتائج، بل حتى في صياغة الأفكار وتنسيقها، ولا تتسع مثل هذه العجالة إلا لبعض الأمثلة التي أرجو أن يعتبرها من يطلع عليها أنها من باب النصحية الخالصة - شهد الله - وتلك الأمثلة على النحو التالي:

أ - جاء في شرح العلل لابن رجب - رحمه الله (1/ 377) ما يلي:

نُقل عن يحيى بن معين (ت233هـ) أنه إذا روى عن الرجل مثلُ ابن سيرين والشعبي، وهؤلاء، أهل العلم، فهو غير مجهول .. ، وإذا رَوى عنه مثلُ سماك بن حرب وأبي إسحق - يعني السبيعي - ونحوهما فمن يروون عن مجهولين، فلا تزول جهالة المروي عنه، برواية واحد من أمثال هؤلاء.

وعقب ابن رجب على ذلك بقوله: وهذا تفصيل حسن، وهو يخالف إطلاق محمد بن يحيى الذهلي (ت 258هـ) الذي تبعه عليه المتأخرون: أنه لا يَخُرج الرجل من الجهالة إلا برواية رجلين.

فهذا المثال يوضح وجود اختلاف بين قول ابن معين وقول الذهلي فيما ترتفع به جهالة الراوي، ويلاحظ أنه خلاف بين اثنين معدودين من المتقدمين، ولكن الذهلي متأخرَ الطبقة عن ابن معين كما يظهر من تاريخي وفاتهما ومراجعة ترجمتيهما في التقريب مثلاً.

وقد استحسن الحافظ ابن رجب قولَ المتقدم منهما، وفي تطبيقات المتقدمين ما يؤيده، ولكن ابن رجب قرر أن المتأخرين تبعوا قول الذهلي المتأخر الطبقة، وإشارة ابن رجب إلى المتأخرين تنطبق على ما قرره الخطيب البغدادي (ت 463هـ) في الكفاية بشأن ما تزول به الجهالة ويؤيده غيرُ قولِ الذهلي أدلةً نقلية صحيحة ومعروفة. ورغم مخالفة الذهلي لقول ابن معين فإن ابن معين جاء عنه أنه كان يثني عليه ويشيد بجمعه لحديث الزهري.

ويلاحَظُ أن الذهلي الذي يعتبر متأخراً عن ابن معين، يعتبر أيضاً متقدماً عن الخطيب.

كما جاء عن الدارقطني (ت 385هـ) قولُه: من أحب أن يعرف قصور علمه عن علم السلف فلينظر في علل حديث الزهري لمحمد بن يحيى (يعني الذهلي) فاعتبر الدارطقني نفسَه خلفاً متأخراً بالنسبة لسلفه المتقدم عليه وهو الذهلي.

كما أن ابنَ رجب المعدودُ من المتأخرين قد اعتبر مَن بَعد الذهلي ممن وافقه على قوله متأخراً حتى عصر ابن رجب، كما هو مقتضى إطلاقه.

ثم إنه صوف المتأخر الآخذ بقوله الذهلي متبعاً لقول من هو متقدم، ولم يصف قولَ المتقدم وهو ابنُ معين بالتفصيل في مواجهة المتأخرِ المخالفِ بالإطلاق إلا بكونه حسناً فقط، لم يصفه بأنه خلاف جوهري كما وصف بعض الأخوة مثل هذا الخلاف بالتقييد والإطلاق من المتأخرين لبعض ما جاء عن المتقدمين بأنه خلاف جوهري.

فمثل هذا المثال وكثيرُ غيره يوضح أن مفهوم المتقدم والمتأخر أمي نسبي يسفر في كل موضع يذكر فيه بحسبه وأن التحديد المطلق زمنياً أو منهجياً للمتقدمين والمتأخرين لا يطرد بحسب واقع تراث علوم السنة الذي بين أيدينا.

كما يوضح هذا المثال أيضاً أن الاختلاف المعتبر بين المتقدمين والمتأخرين له ما يؤيده من صنيع المتقدمين أيضاً.

ب - ذكر الدكتور المليباري من أمثلة الخلاف الجوهري بين المتقدمين والمتأخرين مصلطح (المنكر) فقال: فإنه عند المتأخرين ما رواه الضعيف مخالفاً للثقات، غير أن المتقدمين لم يتقيدوا بذلك.

وإنما عندهم كل حديث لم يعرف (إلا) ([3] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_edn3)) عن مصدره، ثقة كان راويه أم ضعيفاً، خالف غيره، أم تفرد، وهناك في كتب العلل والضعفاء أمثلة كثيرة توضح ذلك.

فالمنكر في لغة ([4] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=11#_edn4)) المتقدمين أعم منه عند المتأخرين، وهو أقرب إلى معناه اللغوي فإن المنكر لغة ... معناه (جهله) وذكر آيتين كريمتين تأييد لذلك ثانيتهما قوله تعالى: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) [النحل: 83].

ثم قال فضيلته، وعلى هذا فإن المتأخرين خالفوا المتقدمين في مصطلح المنكر، بتضيق ما وسعوا (النظرات ص: 31).

ومناقشة ما ذكره فضيلته هنا من وجوه:

1 - التعريف الذي عزاه إلى المتأخرين مطلقاً هو تعريف الحافظ ابن حجر في شرح النزهة فقط، وغيره الحافظ من المتأخرين كابن الصلاح والسيوطي تبعاً له - يذكر كلها منهما أن المنكر قسمان:

أحدهما: الفرد الثقة المخالف للثقات.

وثانيهما: الفرد الضعيف دون مخالفة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015