وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- هذا التفصيل بيانًا شافيًا بقوله: «وقد فرَّق اللهُ بين ما قبل الرِّسالة وما بعدها في أسماء وأحكام، وجمع بينهما في أسماء وأحكام، وذلك حُجَّة على الطائفتين: على مَن قال: إنَّ الأفعال ليس فيها حسن وقبيح، ومن قال: إنهم يستحقُّون العذاب على قولين، أمَّا الأول فإنه سمَّاهم ظالمين وطاغين ومفسدين، لقوله تعالى: ?اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى? [النازعات: 17]، وقوله: ?وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلاَ يَتَّقُونَ? [الشعراء: 10 - 11]، وقوله: ?إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ? [القصص: 4]، فأخبر أنه ظالم وطاغ ومفسد هو وقومه، وهذه أسماء ذمّ الأفعال، والذمّ إنما يكون في الأفعال السيِّئة القبيحة، فدلَّ ذلك على أنَّ الأفعال تكون قبيحةً مذمومةً قبل مجيء الرسول إليهم، لا يستحقُّون العذاب إلا بعد إتيان الرسول إليهم، لقوله: ?وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً? [الإسراء: 15]، وكذلك أخبر عن هود أنه قال لقومه: ?وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ? [هود: 50]، فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكمٍ يخالفونه، لكونهم جعلوا مع الله إلهًا آخر.

فاسم المشرك ثبت قبل الرِّسالة، فإنه يشرك بربِّه ويعدل به، ويجعل معه آلهةً أخرى، ويجعل له أندادًا قبل الرسول، ويثبت أنَّ هذه الأسماء مقدم عليها، وكذلك اسم الجهل والجاهلية، يقال جاهلية وجاهل قبل مجيء الرسول، وأمَّا التعذيب فلا» (7 - «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (20/ 37 - 38). ( java******:صلى الله عليه وسلمppendPopup(this,' pjdefOutline_7'))).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: 5 من ذي القعدة 1429ه

الموافق ل: 3 نوفمبر 2008م

1 - أخرجه ابن ماجه في «سننه»، كتاب «الفتن»، باب ذهاب القرآن والعلم (4049)، والحاكم في «المستدرك» (4/ 520)، من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه. والحديث قوى إسناده الحافظ في «فتح الباري» (13/ 16)، وصحّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1/ 171).

2 - «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (7/ 609 - 610).

3 - «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (35/ 165).

4 - «التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق» لسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (105 - 106)، وقد رجّح الدكتور عبد العزيز بن محمّد بن عبد اللطيف أنه من تأليف الشيخ محمّد بن علي بن غريب، والشيخ حمد بن معمر، والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب. انظر «دعواى المناوئين» (59).

5 - «السنة» لعبد الله بن أحمد: (745).

6 - «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (19/ 215).

7 - «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (20/ 37 - 38).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015