ـ[ماجد مسفر العتيبي]ــــــــ[14 - Mar-2009, مساء 02:04]ـ
قال شيخ الاسلام بن تيمية في مجموع الفتاوي:
وأما عدد ما يحصل به التواتر، فمن الناس من جعل له عددًا محصورًا، ثم يفرق هؤلاء، فقيل: أكثر من أربعة، وقيل: اثنا عشر، وقيل: أربعون، وقيل: سبعون، وقيل: ثلاثمائة وثلاثة عشر، وقيل: غير ذلك. وكل هذه الأقوال باطلة؛ لتكافئها في الدعوي.
والصحيح الذي عليه الجمهور أن التواتر ليس له عدد محصور، والعلم الحاصل بخبر من الأخبار يحصل في القلب ضرورة، كما يحصل الشبع عقيب الأكل والرِّي عند الشرب، وليس لما يشبع كل واحد ويرويه قدر معين، بل قد يكون الشبع لكثرة الطعام، وقد يكون لجودته كاللحم، وقد يكون لاستغناء الآكل بقليله، وقد يكون لاشتغال نفسه بفرح، أو غضب، أو حزن، ونحو ذلك.
كذلك العلم الحاصل عقيب الخبر، تارة يكون لكثرة المخبرين، وإذا كثروا فقد يفيد خبرهم العلم، وإن كانوا كفارًا. وتارة يكون لدينهم وضبطهم. فرب رجلين أو ثلاثة يحصل من العلم بخبرهم ما لا يحصل بعشرة وعشرين، لا يوثق بدينهم وضبطهم، وتارة قد يحصل العلم بكون كل من المخبرين أخبر بمثل ما أخبر به الآخر، مع العلم بأنهما لم يتواطآ، وأنه يمتنع في العادة الاتفاق في مثل ذلك، مثل من يروي حديثًا طويلًا فيه فصول ويرويه آخر لم يلقه. وتارة يحصل العلم بالخبر لمن عنده الفطنة والذكاء والعلم بأحوال المخبرين وبما أخبروا به/ما ليس لمن له مثل ذلك. وتارة يحصل العلم بالخبر؛ لكونه روي بحضرة جماعة كثيرة شاركوا المخبر في العلم، ولم يكذبه أحد منهم؛ فإن الجماعة الكثيرة قد يمتنع تواطؤهم على الكتمان، كما يمتنع تواطؤهم على الكذب.
وإذا عرف أن العلم بأخبار المخبرين له أسباب غير مجرد العدد علم أن من قيد العلم بعدد معين، وسوي بين جميع الأخبار في ذلك فقد غلط غلطًا عظيمًا؛ ولهذا كان التواتر ينقسم إلى: عام، وخاص، فأهل العلم بالحديث والفقه قد تواتر عندهم من السنة ما لم يتواتر عند العامة؛ كسجود السهو، ووجوب الشفعة، وحمل العاقلة العقل، ورجم الزاني المحصن، وأحاديث الرؤية وعذاب القبر، والحوض والشفاعة، وأمثال ذلك.
وإذا كان الخبر قد تواتر عند قوم دون قوم، وقد يحصل العلم بصدقه لقوم دون قوم، فمن حصل له العلم به وجب عليه التصديق به والعمل بمقتضاه، كما يجب ذلك في نظائره، ومن لم يحصل له العلم بذلك فعليه أن يسلم ذلك لأهل الإجماع، الذين أجمعوا على صحته، كما على الناس أن يسلموا الأحكام المجمع عليها إلى من أجمع عليها من أهل العلم؛ فإن الله عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، وإنما يكون إجماعها بأن يسلم غير العالم للعالم؛ إذ غير العالم لا يكون له قول، وإنما القول للعالم، فكما أن من لا يعرف أدلة الأحكام لا يعتد بقوله فمن لا يعرف طرق العلم بصحة الحديث لا يعتد بقوله، بل على كل من ليس بعالم أن يتبع إجماع أهل العلم. أ هـ (المصدر المجلد الثامن عشر من مجموع الفتاوي)
يا اخوان أليس هذا يخالف الرأي الدارج والذي عليه الحافظ بن حجر رحمه الله؟
ـ[السكران التميمي]ــــــــ[14 - Mar-2009, مساء 06:57]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
رحمك الله يا (أبا مسفر) وأجزل مثوبتك آمين.
لس في كلام الشيخ رحمه الله ما يخالف به قول غيره من المحققين؛ سواء الحافظ ابن حجر أو غيره، وحاصل كلام الشيخ رحمه الله ما يلي:
ما قاله الشيخ صحيح لا غبار عليه، لكن كثيرا من طلبة العلم وممن ينتسبون إلى العلم حتى؛ قد لا يفهمون معنى هذا الكلام، فكثير من المشتغلين بهذا العلم إذغ ما رأى خبرا قد جاء من طرق كثيرة تبلغ العشرة أو العشرين أو أكثر أيضا؛ بادر إلى الحكم بأنه خبر متواتر من غير أن ينظر في حال هذه الأسانيد وتلك الطرق التي وقف عليها، بناء على أن المتواتر لا حاجة إلى البحث عن أحوال رواته.
فيتصور أنه لو كثرت طرق الحديث كان هذا كافيا في إثبات التواتر، وأنه ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا كما ترى ليس بشيء، بل الأمر على خلاف ذلك، بيان ذلك:
أنا إذا أردنا أن نتحقق من تواتر خبر ما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب علينا أن نتحقق أولا هل رواه جماعة من الصحابة توفرت فيهم شروط الحكم على خبرهم بأنه متواتر أم لا.
لأنه إذا لم يصح أن هؤلاء الصحابة الكثيرين قد رووا هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلا؛ فإنه لا يصح ما بني عليه؛ وهو الحكم بتواتر هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فمراد الأئمة من أنه لا حاجة إلى النظر في رواة الخبر المتواتر، أن هذا فيما إذا ما ثبت التواتر فعلا، وفي الطبقة التي صح أن الخبر تواتر فيها لا ما دونها.
وبالنسبة لاختلاف العدد الذي يحصل به التواتر، الصواب الذي عليه جمهور المحققين؛ أنه لا اعتبار للعدد في الحكم بالتواتر. وإنما العبرة بما يقع به العلم، فرب عدد قليل أفاد خبرهم العلم بما يوجب صدقهم، بينما أضعافهم قد لا يفيد خبرهم العلم.
وقد أشار الحافظ نفسه إلى مثل هذا الكلام في النزهة، فلا تعارض ولا مخالفة بينهما أخي الفاضل العزيز.
بتصرف وزيادة مما قرره الشيخ طارق حفظه الله.
¥