ـ[أحمد الأقطش]ــــــــ[17 - Mar-2009, صباحاً 07:59]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

بارك الله فيك أستاذنا التميمي على ما تفضلتَ به، وسأقوم بطرح نقاط هذا الموضوع طلباً للتدقيق أو التصويب أو التعضيد. فأقول وبالله التوفيق:

أولاً: إرسال أبي هريرة

من المعلوم أن مراسيل الصحابة مُحتَجٌّ بها لأنها محمولة على الاتصال، ولكن ذلك قاعدة عامة لا على كل حديث حديث. وإلاّ فقد فرّق ابن حجر بين مرسل الصحابي في الأحكام وفي غيرها. يقول في صحة الاحتجاج بمراسيل الصحابة (فتح الباري 1/ 174): ((وهذا في أحاديث الأحكام دون غيرها، فإن بعض الصحابة ربما حملها عن بعض التابعين مثل كعب الأحبار)). اهـ

والسبيل إلى معرفة ذلك أن يكون متن الحديث عبارة عن حكاية أو قصة من قصص بني إسرائيل، كما قال الحافظ العراقي (التقييد والإيضاح ص59): ((إن رواية الصحابة عن التابعين غالبها ليست أحاديث مرفوعة، وإنما هي من: الإسرائيليات، أو حكايات، أو موقوفات)). اهـ وبه قال السيوطي (تدريب الراوي 1/ 109): ((بل أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليس أحاديث مرفوعة، بل: إسرائيليات، أو حكايات، أو موقوفات)). اهـ

ثانياً: تعارض الرفع والوقفقال الخطيب البغدادي (الكفاية 2/ 562) في الترجيح بين الأخبار: ((ويرجح أيضاً بأن يكون متفق على أنه مرويّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومرفوعاً إليه، والآخر مختلف فيه: فُيروى تارة مرفوعاً، وأخرى موقوفاً، ولا يمكن مثل ذلك فيما أجمع أنه عن النبي صلى الله عليه وسلّم)). اهـ

والنووي يرى تبعاً لابن الصلاح بأنه إذا تعارض الرفع والوقف، حُكِم لمن رفعه لأنها زيادة ثقة. وتعقّبه السيوطي (التدريب 1/ 117) بأنه لا يُحكم ((بذلك لمجرّد الزيادة، بل لأن لحذاق المحدّثين نظراً آخر، وهو الرجوع في ذلك إلى القرائن، دون الحُكم بحُكم مُطَّرد)). اهـ

وهذا هو الجنس العاشر من أجناس العلل عند الحاكم (معرفة علوم الحديث ص118): أن يُروى الحديث مرفوعاً من وجه، وموقوفاً من وجه، نبّه عليه السيوطي في تدريبه (1/ 139).

والسؤال هنا: إن ترجَّح كون هذا الحديث موقوفاً على أبي هريرة، فهل له حُكم المرفوع؟

والجواب: اجتمع في هذا المتن عدم كونه من أحاديث الأحكام، ثم كونه قصة من الإسرائيليات، ثم في المتن اضطراب ونكارة. فكيف يكون له حُكم المرفوع؟

ثالثاً: الاضطراب في عدد النساء

قال ابن الجوزي (كشف المشكل 1/ 958): ((في عدد النساء أربعة أقوال:

أحدها: مائة. والثاني: تسعون. والثالث: سبعون. والرابع: ستون. وكلها في الصحيح)). اهـ

قلتُ: والخامس: تسع وتسعون وهو عند البخاري تعليقاً من حديث جعفر بن ربيعة عن الأعرج، وصله الإسماعيلي والطحاوي. وفي هذا المقام أشير إلى وهم البخاري في قوله: ((قال شعيب وابن أبي الزناد: "تسعين"، وهو الأصح)). اهـ فرواية ابن أبي الزناد "سبعين" وليست "تسعين"، أخرجها عنه ابن سعد، وابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر عنه.

قال ابن حجر (الفتح 6/ 531): ((فمحصَّل الروايات: ستون، وسبعون، وتسعون، وتسع وتسعون، ومائة. والجمعُ بينها: أن الستين كُنّ حرائر وما زاد عليهنّ كُنّ سراري، أو بالعكس. وأما السبعون، فللمبالغة. وأما التسعون والمائة، فكُنّ دون المائة وفوق التسعين: فمن قال "تسعون" ألغى الكسر، ومن قال "مائة" جبره. ومن ثم وقع التردد في رواية جعفر. وأما قول بعض الشراح: "ليس في ذكر القليل نفي الكثير، وهو من مفهوم العدد، وليس بحجة عند الجمهور"، فليس بكافٍ في هذا المقام. وذلك أن مفهوم العدد معتبر عند كثيرين، والله أعلم)). اهـ

قلتُ: لا وجه للجمع بين الأقوال بتقسيم النساء إلى حرائر وسراري، فهذا تكلُّف ظاهر وليس له دليل صحيح، وإن كان ورد تفصيل ذلك في الإسرائيليات كما سنذكر. بل الصحيح أنه اختلاف من الرواة أنفسهم، لأنه لا يُعقل أن يقول أبو هريرة رضي الله عنه كل هذه الأعداد تارة بعد أخرى! ولذلك قال ابن حجر نفسه في موضع آخر (الفتح 11/ 614): ((وليس هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من الناقلين. ونقل الكرماني: أنه ليس في الصحيح أكثر اختلافاً في العدد من هذه القصة)). اهـ

فعدم ضبط الرواة للعدد المذكور ينضمّ إلى عدم ضبطهم وقف الحديث مِن رفعه.

رابعاً: فقال النبي .. أم فقال أبو هريرة؟

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015