لرسول الله صلى الله عليه وسلم صورة إنسانية مشرقة داعية إلى أخوة إنسانية وعلاقة مودة ومحبة بين الشعوب والأمم مصداقا لقول الله تعالى: {يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} على أساس وحدة الأصل:"كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى" و هي علاقة حميمة تظل قائمة ما دام الاعتداء غير واقع من أي طرف {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} فإذا ساءت العلاقة لسبب ما فعلى المسلمين أن يعدلوا مع أعدائهم {و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} ولقد ظهرت أخلاق الإسلام الراقية في الحرب كما ظهرت في السلم حتى إنه في حال وقوع اعتداء من الطرف الآخر على الأطفال والنساء والشيوخ بالقتل وهتك الأعراض وغير ذلك، فإن الإسلام يقف رافضا لهذا السلوك غير الإنساني داعيا الى عدم المعاملة بالمثل في ذلك ولقد مثل المشركون بجثمان حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يمثل بأحد منهم - يقول شوقي:

قالوا غزوت ورسل الله ما بعثت * * * لقتل نفس و لا جاءوا بسفك دم

جهل وتضليل أحلام وسفسطة * فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم /

وظهر الرسول الكريم في صورة متلألئة يوم أحد وقد كسرت رباعيته وشج وجهه الشريف وهو يأبى الاستجابة لاقتراح أصحابه: لو دعوت عليهم - قائلا: "إني لم أبعث لعانا ولكني بعثت داعيا ورحمة اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" رواه الشيخان وعندما أشار عليه أحد هم بقتل بعض المنافقين قال:"لا يتحدث أن محمدا يقتل أصحابه " رواه الشيخان وجئ إليه برجل فقيل:هذا أراد أن يقتلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"لن تراع لن تراع ولو أردت ذلك لم تسلط علي " أحمد 3/ 471

ولا عجب فقد كان كما قالت السيدة عائشة {ض}: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم تكن حرمة من محارم الله وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله وما ضرب خادما قط و لا امرأة. رواه الشيخان والترمذي - ولما لم يستطع غورث بن الحارث الفتك برسول الله عندما سقط السيف من يده وأخذه النبي صلى الله عليه وسلم و قال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ، فتركه وعفا عنه فجاء الى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس رواه الشيخان -

يتبع

ـ[محمد عزالدين المعيار]ــــــــ[16 - Mar-2009, صباحاً 01:30]ـ

الحلقة السادسة_ تابع

ولما وقع سهيل بن عمرو أسيرا بأيدي المسلمين في غزوة بدر وكان من أشراف قريش وأفصحهم قال عمر بن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو، حتى لا يقوم عليك خطيبا بعد اليوم " فأجابه رسول الله: "لا أمثل بأحد، فيمثل الله بي، وإن كنت نبيا " ثم أدنى عمر منه وقال:" يا عمر لعل سهيلاً يقف غدا موقفاً يسرك "

وفي صلح الحديبية، أرسلت قريش سهيل بن عمرو إلى الرسول كمفاوض، ودعا الرسول علي بن أبي طالب ليكتب الصلح فقال:" اكتب بسم الله الرحمن الرحيم " فقال سهيل:" لا أعرف هذا، ولكن اكتب باسمك اللهم " فكتبها علي، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو" فقال سهيل:" لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك"، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيلا بن عمرو" ويوم فتح الله على رسوله والمومنين مكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل مكة:" يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟ " فأجابه سهيل بن عمرو قائلا: "نظن خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم" فأجابه الرسول الكريم وقال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"

يقول ول ديورانت - على الرغم من عدم فهمه لكثير من الظواهر التي رافقت حياة النبي صلى الله عليه وسلم - عن بعض صفاته:"كان لطيفا مع العظماء بشوشا في أوجه الضعفاء عظيما مهيبا أمام المتعاظمين المتكبرين متسامحا مع أعوانه يشترك في تشييع كل جنازة تمر به ولم يتظاهر قط بأبهة السلطان وكان يرفض أن يوجه إليه شيء من التعظيم الخاص ... وإذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس قلنا إن محمدا كان من أعظم عظماء التاريخ ... "

ـ[محمد عزالدين المعيار]ــــــــ[19 - Mar-2009, مساء 11:55]ـ

خاتمة: لقد حمى الله رسله الكرام وانتقم لهم،فقال سبحانه: {ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون} التوبة:64

و كفى الله نبيه المصطفى المستهزئين فقال له: {فاصدع بما تومر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزءين} الحجر: 94 - 95 كما قال له في آية أخرى: {يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} المائدة:67

روي أن المستهزئين في الدنيا يفتح لهم باب من الجنة فيسرعون نحوه فإذا انتهوا إليه سد عليهم فذلك قوله [تعالى]: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} [المطففين:34] وعلى هذه الوجوه قوله عز وجل: {سخر الله منهم ولهم عذاب أليم} – التوبة:79

وجاء في تفسير قوله تعالى {إنا كفيناك المستهزءين} أن الله تعالى أعلم رسوله الكريم أنه قد كفاه المستهزئين من كفار مكة ببوائق إصابتهم من الله تعالى لم يسع فيها محمد ولا تكلف فيها مشقة وعن ابن عباس أن {المستهزءين} كانوا ثمانية كلهم مات قبل بدر

وكان صلى الله عليه وسلم محاطا بحراسة من أصحابه من كل من يريد مسه بأذى إلى أن نزل قول الله تعالى: {والله يعصمك من الناس} فأخرج رأسه من القبة وقال لحراسه:"يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني ربي "، فلم يقدر أحد على أن يصيب منه مقتلا مع حرصهم على ذلك

وتظل حماية الله لرسوله قائمة وعصمته له من الناس سارية، دون أن تعفينا من أداء الواجب في نصرة رسول الله ونشر صورته الحقيقية في الآفاق

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015