والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا يحتج به، وإلى ضعيف حسن، كما أن ضعف الإنسان بالمرض ينقسم إلى مرض مخوف يمنع التبرع من رأس المال، وإلى ضعيف خفيف لا يمنع من ذلك.

فإن قلت: إننا نجد إطلاق بعض المتقدمين وصف (الحسن) على بعض الأحاديث؟!

فالجواب: أن هذا تجوز منهم يريدون به الصحيح، قال الحافظ الذهبي: ويلزم على ذلك أن يكون كل صحيح حسنا، فيلتزم ذلك، وعليه عبارات المتقدمين؟ فإنهم يقولون فيما صح: (هذا حديث حسن).

وبعد هذا الإجمال فإليك تفصيل حكاية أقوال العلماء المتقدمين:

عبد الله بن المبارك:

قال عبد الرحمن بن أبي حاتم حدثني ثنا أبي نا عبدة بن سليمان قال: قيل لابن المبارك - وروى عن رجل حديثاً - فقيل: هذا رجل ضعيف!! فقال: يحتمل أن يروى عنه هذا القدر، أو مثل هذه الأشياء، قلت لعبدة: مثل أي شيء كان؟ قال: في أدب في موعظة في زهد، أو نحو هذا.

فهذا الأثر لا يفهم منه أن ابن المبارك رحمه الله يرخص بأداء أنواع من العبادات في فضائل الأعمال لأحاديث ضعيفة، وغاية ما فيه أنه يرخص في حكاية ورواية القصص وما جرى مجراها للعظة، وهذا من جنس إذن النبي صلى الله علي وسلم في قص أخبار بني إسرائيل للاعتبار، دون التعبد بما في أخبارهم مما لا يوافق شرعنا، وقد نبه إلى هذا الحافظ الذهبي رحمه الله لما تحدث عن أقسام العلوم حيث قال: ومنها ما هو مباح كحديث أم زرع، وحديث الإسرائيليات من (جامع الأصول) ونحو ذلك مما يجري مجرى القصص، وبعض أولى من بعض.

وكيف يظن بعبد الله بن المبارك العمل بالضعيف ولو في الفضائل، وهو الذي نادى على رؤوس الخلائق بكمال الشرع واستغناءه عن الضعيف، حتى صارت عبارته (لنا في صحيح الحديث شغل عن سقيمه)، كلمة سائرة عند أهل الحديث.

وكيف يظن بابن المبارك التعبد بالضعيف، وحاله معلومة في شدة تحريه صحيح الأخبار واطراح ضعيفها، من ذلك أنه رحمه الله ضلّ في بعض أسفاره في طريق، وكان قد بلغه أن من اضطر في مفازة فنادى: عباد الله أعينوني! أ ُعين. قال: فجعلت أطلب الجزء أنظر إسناده.

قال الهروي: فلم يستجز أن يدعو بدعاء لا يرى إسناده.

وعلق العلامة الألباني رحمه الله بقوله: فهكذا فليكن الإتباع.

سفيان بن عيينة:

قال سفيان بن عيينة: لا تسمعوا من بقية ما كان في سنة، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره.

وهذا من أوضح ما يكون من الأدلة على أن مراد المتقدمين بالاحتجاج بالضعيف في الفضائل هو الحديث الحسن في اصطلاح المتأخرين.

وهذا واضح من حال بقية بن الوليد، فإنه ثقة محتج بحديثه إذا سلم من التدليس.

يحيى بن معين:

قال يحيى بن معين في زياد البكائي: لا بأس به في المغازي، وأما في غيرها فلا.

فالجواب عن هذا من وجهين:

الأول: أن زياد بن عبد الله البكائي ليس بضعيف، فقد قال عنه أحمد وأبو زرعة الرازي: (صدوق)، وقال عنه الدارقطني: (وعندي ليس به بأس)، وقال ابن عدي فيه: (قد روى عن الثقات من الناس، وما أرى برواياته بأسا).

وأما قول النسائي عنه: (ليس بالقوي) فهذا جرح غير مفسد لرواياته، بل هو متضمن لتعديله وقبول روايته، لكنه في درجة الصدوقين، وليس في حفظه كالمتقنين الحفاظ الكبار.

الثاني: هذا لا يعني الاحتجاج بالضعفاء في الفضائل والمغازي، هذا لو سلم بضعف زياد، فإن الضعيف قد يحتج به في علمٍ ما؛ لاختصاصه وعنايته وشغله به، وقد سبرت أقواله في هذا العلم الذي يتقنه فكانت موافقة لأخبار المرضيين، لا للترخيص في رواية الضعفاء في المغازي، فإنه لو كان كذلك لاحتج بكل ضعيف في المغازي، وهذا لم يقله أحد.

أحمد بن حنبل:

قال أبو الفضل العباس بن محمد الدوري سمعت أحمد بن حنبل يقول: وهو على باب أبى النضر هاشم بن القاسم، وسأله رجل فقال: يا أبا عبد الله! ما تقول في محمد بن إسحاق وموسى بن عبيدة الربذي؟ فقال: أما موسى بن عبيدة فكان رجلا صالحا، فحدث بأحاديث مناكير.

وأما محمد بن إسحاق فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث، يعنى المغازي ونحوها، فأما إذا جاء الحلال والحرام أردنا قوما هكذا، قال أحمد بن حنبل بيده، وضم يديه، وأقام أصابعه.

فهذا أيضا يدل على أن مراد أحمد بالضعيف هو الحسن في اصطلاح المتأخرين، واحمد نفسه قال في ابن إسحاق: (هو حسن الحديث)، وقال فيه يحيى بن معين: (كان ثقة)، (وكان حسن الحديث).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015