على أن الصواب: هو أن الشيخين (البخاريَّ ومسلمًا) كانا مراعيين لقرائن السماع وعدمه أتمَّ مراعاة، وأمّا ما أخرجاه وحُكم عليه بعدم السماع فإنه لا يتجاوز أن يكون اختلافَ اجتهادٍ بين الأئمة غالبًا، وقد يصح أن يُعتذر في بعض الأحاديث بأنهما إنما أخرجاها متابعةً أو شاهدًا لا على وَجْهِ الأصالة والاحتجاج، وقد يصحُّ أيضًا أن يكون إخراجُه بيانًا لعلّته!! فيما إذا كان سياقُ ذكرهما له يدل على هذا المعنى.)).

وهذان مثالان آخران لاعتبارالإمام مسلم للقرائن أنقلهما من إجماع المحدثين , يقول الشيخ حاتم: ((ذكر الإمام مسلم حديثًا في كتابه (التمييز) من رواية محمد ابن علي بن عبدالله بن العباس عن جدّه عبدالله بن العباس رضي الله عنهما، ثم تعقّبه بقوله: ((لا يُعلم له سماعٌ من ابن عباس، ولا أنه لقيه أو رآه)).

ومع أن هذه العبارة كافية في إلزام الخصم، لكني أعود إليها بالتأكيد على قوّتها في الإلزام!

ذلك أن مسلمًا أعلّ بعدم العلم بالسماع، مع احتمال وقوعه، لحصول المعاصرة. ولذلك لم يلجأ مسلم إلى الجزم بعدم السماع اعتمادًا على عدم المعاصرة، وإنما لجأ إلى الإعلال بنفي العلم بالسماع، التي هي عبارة عن ترجيح لعدم السماع كما سبق بيانه.

ويشهد لوقوع المعاصرة فعلاً بين محمد بن علي وجدِّه: أن ابن حبان ذكر محمد بن علي في طبقة التابعين، ولم يذكر له رواية عن صحابي غير جدّه ابن عباس.

واستدل لوقوع المعاصرة أيضًا الشيخُ أحمد محمد شاكر بطبقة الآخذين عن محمد بن علي، حتى مال إلى صحّة سماعه من جَدِّه.

فلماذا إذن توقّف مسلمٌ عن قبول هذه الرواية مع تحقق المعاصرة؟

أجاب عن ذلك ابن القطان الفاسي في (بيان الوهم والإيهام)، مبيّنًا أن سبب الشك في سماع محمد بن علي من جدّه ابن عباس أنه أدخل بينه وبينه واسطةً في بعض حديثه عنه.

وبذلك يتضح أن مسلمًا نظر إلى هذه الوسائط بين الحفيد وجدّه، ثم غلب على ظنّه، مع عدم ذكره السماع، ومع كونه حفيدًا وليس ابنًا= أنه لم يعاصره فترةً طويلةً، وإلا لاستغنى بالسماع من جدّه عن أن يروي عنه بواسطة. ولذك ترجح عنده عدم السماع، فعبّر عنه كما كان يعبر البخاري وغيره: بعدم علمه بالسماع.

ونحن لم نكن في حاجةٍ إلى كل هذا الشرح، لأن المخالف يحتج بمجرّد الإعلال بنفي العلم بالسماع على أنه دليلٌ على اشتراط العلم به. وهُنَا قد أعل مسلمٌ بعدم العلم بالسماع، فماذا عساه يقول؟!!

ومن جهة أخرى: نستفيد فائدةً مهمّة تتعلّق بما كنّا قد ذكرناه في تحرير شرط مسلم، وهو أنه لم يكن يكتفي بمطلق المعاصرة، وأنه كان يراعي القرائن. فهذا الإعلال راعى فيه مسلم ذكر الراوي لواسطة بينه وبين من روى عنه، وعليها بنى الإعلال بعدم العلم بالسماع، أي الإعلال بترجيح عدم السماع.

والمثال الثاني: ذكر ابن رجب في (فتح الباري) حديثًا لأبي صالح مولى أمّ هانىء عن ابن عباس، ثم قال: ((وقال مسلم في كتابه (التفصيل): هذا الحديث ليس بثابت، وأبو صالح باذام قد اتّقى الناسُ حديثَه، ولا يثبت له سماعٌ من ابن عباس)).

مع أنّ أبا صالح هذا قديمٌ، وقد أدرك من هو أقدم من ابن عباس، فقد ذكروا له روايةً عن علي بن ابي طالب، وهو مولى أخته أم هانىء فاخِته بنت ابي طالب، وروى عنها أيضًا، وروى عن أبي هريرة.

وقد ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من التابعين من أهل المدينة، وقال في بيانها: ((ممن روى عن أسامة بن زيد وعبدالله بن عامر وجابر بن عبدالله وأبي سعيد الخدري ورافع بن خديج وعبدالله بن عَمرو وأبي هريرة وسلمة بن الأكوع وعبدالله بن عباس وعائشة وأم سلمة وميمونة وغيرهم)).

وروى عنه من الكبار: الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وغيرهما.

وتذكّر -بعد ثبوت المعاصرة- أن مسلمًا لم يحكم بالاتّصال، ليتأكد لديك أن مسلمًا كان يراعي القرائن، وأنه لم يكن يكتفي بمطلق المعاصرة.))

وفي كتاب الانتفاع للشيخ حاتم رد قاصم لولا أني لم أجده بصيغة الوورد لنقلت كلامه فيه لأنهي على المراء غير العلمي الذي يمارسه البعض. مع أن ماسبق كاف , فإن أراد النقاش العلمي فليرد على مانقلته أولا.

وأعِدُ الأخ إن أحب استمرار الجدل أن أتكلف له بنقل ردود الشيخ حاتم على شبهه التي كان الشيخ على علم بها ورد عليها في كتابه الانتفاع , قبل أن تدعي قراءة كتابيه , بدليل ذكره لها ورده عليها. وما النقلان السابقان إلا بعض كلامه.

وأخيرا ينبغي أن تعترف أولا أن من العلماء من سبق الشيخ حاتم في اعتبار الإمام مسلم ممن يراعون القرائن , لا أن أناقش الشيخ حاتما وكأنه قد خرق الإجماع , يا من خرق الإجماع على إمامة مسلم بوصفه بالغفلة عن قرائن يدركها أمثاله من صغار الطلبة , ثم هو يصف مسلما بأنه كان غافلا عنها , ألا تستحي من هذا التجرؤ على علماء الأمة ونقّاد السنة مثل الإمام مسلم , يا من خرق الإجماع أيضا على أن صحيح مسلم أصح الكتب بعد البخاري , باستضعاف شرطه في الصحة.

هل تريدنا أن نتعامل مع كلامك تعاملا علميا؟ فعليك أولا أن تبين لنا كيف يكون كلامك علميا مع هذه الاستهانة البالغة بالإمام مسلم وصحيحه.؟ مع أني تعاملت مع كلامك تعاملا علميا بالرد عليك من خلال ردود وأدلة الشيخ حاتم

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015