المتقدمين إذا كان الحديث فيه انقطاع جلي أو خفي لا يحكمون عليه بالصحة، واسقترؤوا هذا .. فقالوا: هذا معناه أن الحديث لا يكون صحيحا إلا إذا اتصل، ثم رأوا الأئمة المتقدمين إذا كان في الحديث رجل في عدالته أو في ضبطه طعن توقفوا في تصحيح روايته، قالوا إذن يشترط أن يكون راويه عدلا ضابطا، ثم رأوا الأئمة المتقدمين إذا كان فيه شذوذ .. مخالفة، لا يصححونه، قالوا: ولا يكون شاذا .. ولا يكون معللا .. إذن هذه الشروط ما جاءت من فراغ، ولا جلسوا تحت هذه النخلة أو هذه الشجرة، في الظلال وقالوا: نجلس ونقسم تقسيمات .. مصطلحات علم الكلام .. علماء الكلام الذين تكلموا في السفسطة .. جمعوا بين النقيضين وفرقوا بين المتماثلين .. علماء الحديث بهذه المثابة؟؟ تأثروا بهذه الكتب؟؟ صحيح يمكن أن يكون عندهم مبالغة في بعض المواضع، أو في تقرير تعريف من التعاريف أو حد من الحدود، لكن الأصل في ذلك أيضا هو خدمة ما عليه المتقدمون، وليس البعد بالناس والذهاب بهم والرغبة بهم عن طريق المتقدمين، إنها خدمة طريق المتقدمين .. قد تملون كثرة الكلام في هذه المسألة .. الحقيقة أن الكلام فيها ذو شجون .. وله أهميته، لاسيما وقد أُلِّفت في ذلك كتب، وعقد لذلك مجالس، ورُمي بهذه الكتب وهذه المجالس علماء، فمن حق هؤلاء العلماء علينا، ونحن لهم تبع، ونحن ننتمي لهذه الدعوة المباركة .. أننا ننتصر لهم، وأن نبين حقهم وفضلهم بالمعروف، دون تنقص ودون احتقار ودون ازدراء المخالفين لنا في ذلك، إننا نتكلم عن فكرة ولا يهمنا أن الذي يتكلم بهذه فلان بن فلان، أو ذاك أو زيد أو عمر، ما يهمنا هذا الشيء، إنما يهمنا هذه المقالة، ما حكمها وما مدى صحتها وما مقدار قوتها في ميزان النقد العلمي؟؟ فباب الجهالة من جملة المسائل التي رمي بها أيضا العلماء .. كذلك التفرد .. باب الشذوذ .. أبواب كثيرة .. خلاصة هذا: أن ما أصاب فيه القائلون بمذهب المتقدمين والمتأخرين أنهم مسبوقون إليه، وما أخطئوا فيه فيمكن أن نلخصه في نقاط:

- أوغروا صدور الشباب – بحسن نية، وهذا الذي نعتقده، أنهم قصدوا خيرا، ما قصدوا سب العلماء، وإنما قصدوا الدفاع عن هذا العلم ونصرته - على علمائهم.

- أرادوا – بحسن نية – أن يسلخوا جهود وثمرة عدة قرون في هذه الأمة، ويضيعوا الاستفادة منها، ومآل كلامهم دفن هذه الثروة العظيمة التي هي حصيلة وثمرة هذه القرون التي تسمى بالمتأخرين، والتي، كما عرفها بعضهم بأنها بعد انقطاع الإسناد، الإسناد الذي هو إسناد التصنيف والكتب المشهورة، وأما هذه الأمة – ولله الحمد – فقد اختصت بالإسناد، ولا يزال الإسناد فيها باقيا ولله الحمد، وذلك لأن الله حفظ لهذه الأمة هذا العلم المبارك، ألا وهو علم الإسناد، وإن كنا نرى من جهلة من ينتمي إلى الدعوة ومن ينتمي إلى العلم من يخذل عن علم الإسناد، ويقول " لسنا في زمن حدثنا وأخبرنا، ولسنا في حاجة لمعرفة صحيح وضعيف، الناس وصلوا للقمر وأنتم عندكم صحيح وضعيف .. "، أنا أعتقد أن قائل ذلك غير ملم بالموضوع، إن لم يكن والعياذ بالله قد زج به للطعن في هذا الدين، لأنه ما أثر الطعن في علم الإسناد إلا عن الزنادقة .. لا أستطرد بعيدا عن المسألة التي أنا بصددها .. فإني أرى أن الذين ولجوا هذا الباب أوغروا صدور الشباب على العلماء، وأراهم يعتدون برأيهم وكأنه وحي، نسأل الله العفو والعافية، وأراهم ينزلون أنفسهم خلاف ما هم عليه، فإنهم يظنون أنهم أتوا بما لم يأت به الأوائل، وعرفوا ما لم يعرفه فلان وفلان، وكأن هذا الدين قد اندرس، أليس النبي عليه الصلاة والسلام قال: إن الله يبعث لهذه الأمة كل مائة عام من يجدد لها دينها؟؟ من سنة 800 إلى الآن ما أحد عرف هذا العلم إلا اليوم؟؟ من بعد ما انقطع الإسناد وتصنيف الكتب ما أحد عرف هذا العلم إلا في زماننا؟؟ أين تجديد الدين؟ وإذا كان علم الحديث قد اندرس فأين الدين الذي انجدد، فأنا أحذر الشباب من أن يكونوا أذنا صاغية لكل كلمة، ولكل غريب، لأني أعرف أن كثيرا من الشباب يعجبهم الغريب، وصدق عبد الله بن المبارك " العلم ما جاء من ههنا وههنا وههنا وههنا "، أي من جميع الجهات، العلم هو المشهور، المشهورات هي التي عليها العلم، وهي التي عليها المعلوم من الدين بالضرورة، وواجبات الدين، فأكثر الغرائب ضعاف، ولا

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015