ذلك " لكان له عذر، أما أنه يصرح ويدعي أن هذا مذهب المتقدمين، ولا يكتفي بهذا، بل يكر على المتأخرين وينقض بنيانهم ويرميهم بأنهم لا يعرفون طريقة المتقدمين وأنهم .. وأنهم .. لا شك بأن القائل بهذا القول يكون قد وقع في باب عظيم من الخطأ والانحراف عن النهج العلمي السديد وعن الطريقة العلمية التي عرفت عن أهل العلم.

المسألة الثالثة التي قيل إن المتأخرين خالفوا فيها المتقدمين: " مسألة الجهالة ": لا شك أني لا أستحضر كل الأشياء، لكني أذكر لكم ما أستحضره في مجلسي هذا. قالوا: إن المتقدمين ليس عندهم قانون مطرد في من وُصفوا بالجهالة، فمرة يصححون حديث المجهول، ومرة يضعفونه، وأما المتأخرون فإنهم وضعوا قاعدة مطردة وأطلقوها في جميع المجاهيل، وقالوا إن رواية المجهول لا تقبل! أقول: مع أن هذا النقل أيضا ليس بصحيح عن المتأخرين، فأنت تعرفون أن كثيرا من المتأخرين أيضا يقبلون رواية المجهول، وعُدّ ذلك من تساهلهم، لكن لنجعل كلامنا على الأئمة النقاد المعروفين، قالوا إنهم ردوا رواية المجهول مطلقا، وأما المتقدمون فإنهم يفصلون، فمرة يكون الحديث عندهم صحيحا ومرة يكون ضعيفا، فيأتي السؤال: المجهول يكون مرة عند المتقدمين صحيحا لذاته، ومرة يكون ضعيفا لذاته، أم لقرائن أخرى؟؟ إن قال: لا، إن المتقدمين يضعفون رواية الراوي المجهول مرة ويصححونها مرة دون أي قرينة أخرى، فقد رمى المتقدمين بالتناقض، فكيف يكون هذا الراوي الذي هو في حيز الجهالة مرة يكون مقبولا ومرة يكون مردودا مع التجرد عن القرائن؟ فإن قلنا وإن تجرد عن القرائن فمرة كذا ومرة كذا، فنحن نكون بهذا قد أسأنا إلى المتقدمين، ونقول لهم إنكم تصححون وتضعفون بأهوائكم، فما الذي جعلكم تقبلون هذا الرجل في هذا الحديث ثم تردونه في الحديث الآخر وليس معه في هذا الحديث الذي قبلتموه فيه أي قرينة تزيد عن الحديث الذي رددتموه فيه؟؟ معنى هذا أننا نرمي المتقدمين بالتناقض وعدم الفهم، وحاشاهم من ذلك، فإن قال إنهم مرة يصححون ومرة يضعفون حديث المجهول لقرائن، قلنا جزاك الله خيرا، وهذا الذي نريد أن تقوله، وهذا عين قولنا! إذن، عندما صححوا حديث المجهول، لعلهم صححوه لطرق أخرى، لعلهم صححوه لأنهم يعلمون أن لهذا الحديث أصلا، لعلهم صححوه لقرينة كذا أو لقرينة كذا، عَلِمَها من علمها وجهلها من جهلها .. إذن، القول بأن المتقدمين يصححون حديث المجهول ويضعفون حديث المجهول .. أحيانا وأحيانا .. إذا آل إلى هذا الأمر .. أنهم يدورون مع ذلك بالقرائن، وحكمهم في ذلك راجع للقرائن، إذن لا إشكال، وهذا عين قولنا، وهذا لا يلزم منه كلامٌ على المتأخرين، ولا يلزم المتأخرين من ذلك عيب ولا لوم. لأن عندهم أيضا أن المجهول يصحح حديثه إذا جاء من طرق أخرى، أما المجهول وحده فلا، ونحن نريد أيضا في هذا الموضع أن نلزم المخالف بإلزام آخر، نقول له: ما حكم رواية الضعيف عندك؟ يقول: الضعيف عندي مردود، بمعنى أني أتوقف فيه حتى يتقوى .. وقد يقول: وإن تقوى من طريق أخرى لا أقبله .. لكن دعنا مع الصنف الذي يرى أنه يتقوى بمثله، فنقول له: لو أوقفناك على كلام عند المتقدمين أنهم صححوا مرة رواية الضعيف وضعفوا مرة روايته، هل تقول في النهاية إن المتأخرين أيضا أخطئوا عندما أطلقوا عدم قبول رواية الضعيف؟؟ لأنه قد ثبت عن المتقدمين أنهم مرة ضعفوا رواية الضعيف ومرة صححوا رواية الضعيف نفسه، هذا موجود، أنتم تعرفون أن الإمام البخاري أخرج احتجاجا لبعض الضعفاء، وإن كان البعض قد يكابر في بعض الضعفاء ويقول " ليسوا بضعفاء "، هذه مسألة أخرى، البحث في الرواة أمر سهل، ارجع إلى كتب الجرح والتعديل، وكلام الأئمة حاكمٌ على الجميع، لكني أقول في هذا الموضع: إذا كنا نسلم أن المتقدمين مرة يصححون للضعيف ومرة يضعفون له، ورأينا أن المتأخرين – ووافقناهم نحن على ذلك – على إطلاق أن رواية الضعيف لا تقبل، فلماذا لا نجعل صنيع المتقدمين في المجهول وصنيع المتأخرين في المجهول مثل صنيع المتقدمين والمتأخرين في الضعيف؟ ولا نتكلم على علمائنا ونرميهم بالتناقض، أو نرميهم بالجهل بطريقة القوم، أو نرمي علماءنا بأنهم ما أحسنوا فهم طريقة المتقدمين، مما يجعل الصبية ويجعل الأحداث والرعاع والضعفة وأحيانا يكون أيضا الذين ليس لهم أهلية بأن يكونوا من

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015