وأصل الختم الطبع والخاتم هو الطابع يقال منه ختمت الكتاب إذا طبعته فإن قال لنا قائل وكيف يختم على القلوب وإنما الختم طبع على الأوعية والظروف والغلف قيل فإن قلوب العباد أوعية لما أودعت من العلوم وظروف لما جعل فيها من المعارف بالأمور فمعنى الختم عليها وعلى الاسماع التي بها تدرك المسموعات ومن قبلها يوصل إلى معرفة حقائق الأنباء عن المغيبات نظير معنى الختم على سائر الأوعية والظروف

القول في تأويل قوله تعالى (وعلى أبصارهم غشاوة) وقوله وعلى أبصارهم غشاوة خبر مبتدأ بعد تمام الخبر عما ختم الله جل ثناؤه عليه من جوارح الكفار الذين مضت قصصهم

القول في تأويل قوله تعالى (ولهم عذاب عظيم) وتأويل ذلك عندي كما قاله بن عباس وتأوله ... ولهم بما هم عليه من خلافك عذاب عظيم قال فهذا في الأحبار من يهود فيما كذبوك به من الحق الذي جاءك من ربك بعد معرفتهم

العلاقة بين الجمل:

ولما أردف البيان لأوصاف المؤمنين التعريف بأحوال الكافرين وكانوا قد انقسموا على مصارحين ومنافقين وكان المنافقين قسمين جهالا من مشركي العرب وعلماء من كفار بني إسرائيل كان الأنسب ليفرغ من قسم برأسة على عجل البداءة أولا بالمصارحين فذكر ما أراد من أمرهم في ايتين , لأن أمرهم أهون وشأنهم أيسر لقصدهم بما يوهنهم بالكلام أو بالسيف على ان ذكرهم على وجه يعم جميع الأقسام فقال مخاطبا لأعظم المنعم عليهم على وجه التسلية والإعجاز عل في معرض الجواب لسؤال من كأنه قال: هذا حال الكتاب للمؤمنين فما حاله للكافرين؟ (إن الذين كفروا) أي حكم , بكفرهم دائما حكما نفذ ومضى فستروا ما أقيم من الأدلة على الوحدانية عن العقول التى هيئت لإدراكه والفطر الأولى التي خلصت عن مانع يعوقها عن الانقياد له وداموا على ذلك بما دل عليه السابق بالتغير عن أضدادهم بما يدل على تجديد الإيمان على الدوام واللحاق بالختم والعذاب , ولعله عبر بالماضي والموضع للوصف تنفيرا من مجرد إيقاع الكفر ولو للنعمة وليشمل المنافقين وغيرهم ولما دل هذا الحال على أنهم عملوا ضد المؤمنون من الانقياد المعنى (سواء عليهم أأنذرتهم) أي إنذار في هذا الوقت بهذا الكتاب (أم لم تنذرهم) أي وعدم إنذار فيه وبعده وقد انسلخ عن أم والهمزة معنى الاستفهام , قال سيبوية: جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء في قولك: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة. انتهى ولعله عبر بصورة الاستفهام وقد سلخت عن معناه إفهاما لأنهم توغلوا في الكفر توغل من وصل في الحمق إلى أنه لو شاهد الملك يستفهمك عنه ما آمن.

ولما كان كأنه قيل في أي شيء استوت حالتهم قبل في أنهم (لا يؤمنون) وهي دليل على خصوص كونه هدى للمتقين وعلى وقوع التكليف بالممتنع لغيره فإنه سبحانه كلفهم الإيمان وأراد منهم الكفران , فصار ممتنعا لإرادته عدم وقوعه , والتكليف به جار على سنن الحكمة فإن إرادة عدم إيمانهم لم تخرج إيمانهم عن حيز الممكن فيما يظهر , لعدم العلم بما أراد الله من كل شخص بعينه , فهو على سنن الابتلاء ليظهر في عالم الشهادة المطيع من غيره لإقامة الحجة

وكل موضع ذكر فيه الكفر فإنما عبر به إشارة إلى أن الأدلة الأصلية في الوضوح بحيث لا تخفى على أحد ولا يخالفها إلا من ستر مرآة عقله إما عنادا وإما بإهمال النظر لا سديد والركون إلى نوع تقليد.

ولما كان من أعجب العجب كون شيء واحد يكون هدى لناس دون ناس علل ذلك بقوله: (ختم الله) اي (على قلوبهم) أي ختما مستعليا عليها فهي لا تعي حق الوعي , لأن الختم على الشيء يمنع الدخول إليه والخروج منه , وأكد المعنى بإعادة الجار فقال: (وعلى سمعهم) فهم لا يسمعون حق السمع , وأفراده لأن التفاوت فيه نادر , قال الحرالي: وشركة في الختم مع القلب لأن أحدا لا يسمع إلا ما عقل. انتهى.

(وعلى أبصارهم غشاوة) فهم لا ينظرون بالكامل. ولما سوى هنا بين الإنذار وعدمه كانت البداءة بالقلوب أنسب تسوية لهم بالبهائم , ولما كان الغبي قد يسمع أو يبصر فيهتدي وكان إلى السمع أضر لعمومه وخصوص البصر بأحوال الضياء نفي السمع ثم البصر تسفيلاً لهم عن حال الهائم , بخلاف ما في الجاثية فإنه لما أخبر فيها بالإضلال وكان الضال أحوج شيء إلى سماع الهادي نفاه , ولما كان الأصم إذا كان افهم أو بصر أمكنت هدايته و لكن الفهم أشرف نفاهما على ذلك الترتيب.

ولما وصفهم بذلك أخبر بمآلهم فقال: (ولهم عذاب عظيم) قال الحرالي: وفي وقوله: (ولهم) إعلام بقوة تداعي حالهم لذلك العذاب واستحقاقهم له وتنشؤ ذواتهم إليه حتى يشهد عيان المعرفة به أي العذاب وبهم أنه لهم وكان عذابهم عظيما آخذا في عموم ذواتهم لكونهم لم تلتبس أبدانهم ولا نفوسهم ولا أرواحهم بما يصد عنهم شيئنا من عذابها كما يكون للمعاقبين من مذنبي مؤمني المم حيث يتنكب العذاب عن وجوههم ومواضع وضوئهم ونحو ذلك. انتهى

المعنى العام:

يخبر تعالى أن الذين كفروا أي: اتصفوا بالكفر وانصبغوا به وصار وصفا لهم لازما لا يردعهم عنه رادع ولا ينجع فيهم وعظ إنهم مستمرون على كفرهم فسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون وحقيقة الكفر: هو الجحود لما جاء به الرسول أو جحد بعضه فهؤلاء الكفار لا تفيدهم الدعوة إلا إقامة الحجة عليهم وكأن في هذا قطعا لطمع الرسول صلى الله عليه وسلم في إيمانهم وأنك لا تأس عليهم ولا تذهب نفسك عليهم حسرات

ثم ذكر الموانع المانعة لهم من الإيمان فقال: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم) أي: طبع عليها بطابع لا يدخلها الإيمان ولا ينفذ فيها فلا يعون ما ينفعهم ولا يسمعون ما يفيدهم

(وعلى أبصارهم غشاوة) أي: غشاء وغطاء وأكنه تمنعها عن النظر الذي ينفعهم وهذه طرق العلم والخير قد سدت عليهم فلا مطمع فيهم ولا خير يرجى عندهم وإنما منعوا ذلك وسدت عنهم أبواب الإيمان بسبب كفرهم وجحودهم ومعاندتهم بعدما تبين لهم الحق كما قال تعالى: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة) وهذا عقاب عاجل

ثم ذكر العقاب الآجل فقال: (ولهم عذاب عظيم) وهو عذاب النار وسخط الجبار المستمر الدائم

الأحكام:

لم يذكر ابن العربي أحكاماً

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015