وربما فُهم ذلك من كلمة أبي حاتم الرازي -وسبق ذلك-، ويؤيدها في أنه يعتمد رواية خالد الحذاء: أنه قال في ترجمة أبي قلابة -كما في الجرح لابنه (5/ 58) -: " ولم يسمع من أبي زيد عمرو بن أخطب؛ بينهما عمرو بن بجدان، وسمع من محمد بن أبي عائشة بالشام ... "، فبنى إثباته السماع هنا على رواية خالد الحذاء الموصولة -أفاد كلمة أبي حاتم في الجرح الشيخ أمجد الفلسطيني بارك الله فيه-.

ويأتي -بإذن الله- الحديث عن ترجيح الدارقطني، ومن كان عنده فائدة فليفد، أحسن الله إليه.

ـ[محمد بن عبدالله]ــــــــ[17 - Oct-2008, مساء 06:55]ـ

رجَّح الإمام الدارقطني -رحمه الله- الوجه المرسل -كما سبق نقله عنه-.

ومن المفيد هنا نقل كلامه بتمامه -في موضعيه- لمعرفة وجه ترجيحه:

حيث سئل -كما في العلل (9/ 64، 65) - عن حديث أبي قلابة، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: " إن كان أحدكم قارئًا خلف الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب ".

فقال: " يرويه أيوب السختياني، واختلف عنه:

- فرواه سلام أبو المنذر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي هريرة،

- وخالفه الربيع بن بدر: رواه عن أيوب، عن الأعرج، عن أبي هريرة،

- وخالفهم عبيدالله بن عمرو الرقي: فرواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك،

- وخالفهم ابن علية، رواه عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلاً،

- ورواه خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-،

والمرسل الصحيح " ا. هـ.

ففصَّل الدارقطني هنا رواية أيوب، وأجمل رواية خالد الحذاء، ورجح عليها -وعلى الروايات الأخرى- رواية أيوب.

وسئل -كما في العلل (12/ 237، 238) - عن حديث أبي قلابة، عن أنس، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " أتقرؤون والإمام يقرأ؟ "، قالوا: نعم، قال: " فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه ".

فقال: " يرويه أيوب السختياني، وخالد الحذاء، واختلف عنه:

فأما أيوب:

- فإن عبيدالله بن عمرو رواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-،

- وخالفه سلام أبو المنذر: فرواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي هريرة،

- وخالفهما الربيع بن بدر: رواه عن أيوب، عن الأعرج، عن أبي هريرة،

- وخالفهم ابن علية وابن عيينة وحماد بن زيد: رووه عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وهو صحيح من رواية أيوب.

فأما خالد الحذاء:

- فرواه عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال ذلك سفيان الثوري ويزيد بن زريع وبشر بن المفضل، عن خالد،

- ورواه ابن علية وخالد بن عبدالله وشعبة وعلي بن عاصم، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة مرسلاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم-،

- ورواه هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة مرسلاً، لم يجاوز به أبا قلابة.

والمرسل أصح " ا. هـ.

وهنا فصَّل الدارقطني الروايتين معًا، ورجح الرواية المرسلة عن أيوب،

ثم ذكر رواية خالد الحذاء، فذكر خلافًا عليه على ثلاثة أوجه:

- الموصول،

- مرسل محمد بن أبي عائشة،

- مرسل أبي قلابة.

وهذا يبيِّن أن ترجيح الدارقطني رواية أيوب على رواية خالد الحذاء إنما كان لما رآه من هذا الاختلاف على خالد -وهو خلافٌ بين جماعة من ثقات أصحابه-، فكأنه رأى أن الحذاء لم يضبط هذا الحديث، وأن أيوب -إذ لم يختلف عليه ثقات أصحابه- أضبط له، فرجح روايته.

لكن سبق بيان أن الوجه الثاني عن خالد الحذاء راجعٌ إلى الوجه الأول -في رواية ابن علية عن خالد-، وسبق ذكر وجوه ذلك، ويؤيده أيضًا: أن البيهقي فهم من جواب أبي قلابة: أنه يقصد الوجه الموصول: عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من الصحابة، مرفوعًا.

ولما لم نقف على الروايات الأخرى عن خالد على هذا الوجه -أعني: مرسل ابن أبي عائشة-، فلا يُدرَى بالضبط صيغة الرواية، وهل هي كرواية ابن علية: فيها ذكرٌ لسؤال خالدٍ أبا قلابة وجوابه له، أم هي مباشرة الإرسال: عن محمد بن أبي عائشة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-،

فإن كان الأمر كالأول؛ فما قيل في رواية ابن علية جارٍ على رواية الآخرين،

وإن كان كالثاني؛ فيظهر أن هذا تقصير من هؤلاء الرواة في ذكر صحابي الحديث، وقد ذكره جماعة من الثقات -فيهم الثوري ويزيد بن زريع- عن خالد، وذكرهم له صحيح مقبول.

وسؤال خالد الحذاء لأبي قلابة عن شيخه في هذا الحديث= مفيدٌ أن أبا قلابة كان يرسله من تلقاء نفسه، ولم يكن معروفًا أن شيخه فيه: محمد بن أبي عائشة، فالرواية بجعل محمد بن أبي عائشة يرسل الحديث غريبة فيما قبل سؤال خالد الحذاء، وأما بعده؛ فقد تبيَّن أنه يرويه عن محمد بن أبي عائشة، وأنه يقصد بهذا: الرواية الموصولة.

على أن الدارقطني ذكر شعبةَ فيمن روى عن خالد عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة مرسلاً، وروايةُ أحمد بن حنبل، عن محمد بن جعفر غندر -أوثق أصحاب شعبة-، عن شعبة= ثابتةٌ في أن شعبة يرويه موصولاً عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من الصحابة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وأما الوجه الأخير فلم يروه إلا هشيم، وهو موافق لرواية خالد الحذاء قبل أن يستفصل أبا قلابة عن شيخه في الحديث -وسبق ذلك-، فلا يُعارض به الروايات المفصّلة لرواية خالد الحذاء.

والله أعلم.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015