وأتى ب على في هذا الموضع الدالة على الاستعلاء وفي الضلالة يأتي ب في كما في قوله: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى مرتفع به وصاحب الضلال منغمس فيه محتقر

ثم قال: (وأولئك هم المفلحون) والفلاح [هو] الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب حصر الفلاح فيهم؛ لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم وما عدا تلك السبيل فهي سبل الشقاء والهلاك والخسارة التي تفضي بسالكها إلى الهلاك فلهذا لما ذكر صفات المؤمنين حقا ذكر صفات الكفار المظهرين لكفرهم المعاندين للرسول

الأحكام:

1 - حقيقة الغيب واختلاف العلماء فيه قوله (بالغيب) وحقيقته ما غاب عن الحواس مما لا يوصل إليه إلا بالخبر دون النظر فافهموه

وقد اختلف العلماء فيه على أربعة أقوال:

الأول ما ذكرناه كوجوب البعث ووجود الجنة ونعيمها وعذابها والحساب

الثاني بالقدر

الثالث بالله تعالى

الرابع يؤمنون بقلوبهم الغائبة عن الخلق لا بألسنتهم التي يشاهدها الناس معناه ليسوا بمنافقين

وكلها قوية إلا الثاني والثالث فإنه يدرك بصحيح النظر فلا يكون غيبا حقيقة وهذا الأوسط وإن كان عاما فإن مخرجه على الخصوص، والأقوى هو الأول أنه الغيب الذي أخبر به الرسول عليه السلام مما لا تهتدي إليه العقول والإيمان بالقلوب الغائبة عن الخلق ويكون موضع المجرور على هذا رفعا وعلى التقدير الأول يكون نصبا كقولك مررت بزيد، ويجوز أن يكون الأول مقدرا نصبا كأنه يقول جعلت قلبي محلا للإيمان وذلك الإيمان بالغيب عن الخلق وكل هذه المعاني صحيحة لا يحكم له بالإيمان ولا بحمى الذمار ولا يوجب له الاحترام إلا باجتماع هذه الثلاث فإن أخل بشيء منها لم يكن له حرمة ولا يستحق عصمة

2 - قال علماؤنا في ذكر الصلاة في هذه الآية قولان:

أحدهما أنها مجملة وأن الصلاة لم تكن معروفة عندهم حتى بينها النبي صلى الله عليه وسلم

الثاني أنها عامة في متناول الصلاة حتى خصها النبي صلى الله عليه وسلم بفعله المعلوم في الشريعة

وقد استوفينا القول في ذلك عند ذكر أصول الفقه و الصحيح عندي أن كل لفظ عربي يرد مورد التكليف في كتاب الله عز وجل مجمل موقوف بيانه على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يكون معناه محدودا لا يتطرق إليه اشتراك فإن تطرق إليه اشتراك واستأثر الله عز وجل برسوله صلى الله عليه وسلم قبل بيانه فإنه يجب طلب ذلك في الشريعة على مجمله فلا بد أن يوجد ولو فرضنا عدمه لارتفع التكليف به وذلك تحقق في موضعه

وقد قال عمر رضي الله عنه في دون هذا أو مثله ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيها عهدا ننتهي إليه الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا

فتبين من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به وفرض عليه الصلاة ونزل سحرا جاءه جبريل عليه السلام عند صلاة الظهر فصلى به وعلمه ثم وردت الآيات بالأمر بها والحث عليها فكانت واردة بمعلوم على معلوم وسقط ما ظنه هؤلاء من الموهوم

3 - (ويقيمون) فيه قولان:

الأول يديمون فعلها في أوقاتها من قولك شيء قائم أي دائم

والثاني معناه يقيمونها بإتمام أركانها واستيفاء أقوالها وأفعالها وإلى هذا المعنى أشار عمر بقوله من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع

4 - (ومما رزقناهم ينفقون) في اشتقاق النفقة:

وهي عبارة عن الإتلاف ولتأليف نفق في لسان العرب معان أصحها الإتلاف وهو المراد هاهنا يقال نفق الزاد ينفق إذا فني وأنفقه صاحبه أفناه وأنفق القوم فني زادهم ومنه قوله تعالى (إذا لأمسكتم خشية الإنفاق) [الإسراء 1]

5 - في وجه هذا الإتلاف: وذلك يختلف إلا أنه لما اتصل بالمدح تخصص من إجماله جملة، وبعد ذلك التخصيص

اختلف العلماء فيه على خمسة أقوال:

الأول أنه الزكاة المفروضة عن ابن عباس

الثاني أنه نفقة الرجل على أهله قاله ابن مسعود

الثالث صدقة التطوع قاله الضحاك

الرابع إنه وفاء الحقوق الواجبة العارضة في المال باختلاف الأحوال ماعدا الزكاة

الخامس إن ذلك منسوخ بالزكاة

التوجيه

أما وجه من قال إنه الزكاة فنظر إلى أنه قرن بالصلاة والنفقة المقترنة [في كتاب الله تعالى] بالصلاة هي الزكاة

وأما من قال إنه النفقة على عياله فلأنه أفضل النفقة روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل عندي دينار قال أنفقه على نفسك قال عندي آخر قال أنفقه على أهلك وذكر الحديث فبدأ بالأهل بعد النفس وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الصدقة على القرابة صدقة وصلة

وأما من قال إنه صدقة التطوع فنظر إلى أن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة فإذا جاءت بلفظ الصدقة احتملت الفرض والتطوع وإذا جاءت بلفظ الإنفاق لم يكن إلا التطوع

وأما من قال إنه في الحقوق العارضة في الأموال ما عدا الزكاة فنظر إلى أن الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان فرضا ولما عدل عن لفظها كان فرضا سواها

وأما من قال إنه منسوخ فنظر إلى أنه لما كان بهذا الوجه فرضا سوى الزكاة وجاءت الزكاة المفروضة فنسخت كل صدقة جاءت في القرآن كما نسخ صوم رمضان كل صوم ونسخت الصلاة كل صلاة ونحو هذا جاء في الأثر

التنقيح: إذا تأمل اللبيب المنصف هذه التوجيهات تحقق أن الصحيح المراد بقوله (يؤمنون بالغيب) كل غيب أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كائن وقوله (ويقيمون الصلاة) عام في كل صلاة فرضا كانت أو نفلا وقوله (ومما رزقناهم ينفقون) عام في كل نفقة وليس في قوة هذا الكلام القضاء بفرضية ذلك كله وإنما علمنا الفرضية في الإيمان والصلاة والنفقة من دليل آخر وهذا القول بمطلقه يقتضي مدح ذلك كله خاصة كيفما كانت صفته

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015