وتأويل قوله وأولئك هم المفلحون أي أولئك هم المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله تعالى ذكره بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله من الفوز بالثواب والخلود في الجنان والنجاة مما أعد الله تبارك وتعالى لأعدائه من العقاب
العلاقة بين الجمل:
ولما كان المعنى (آلم) هذا كتاب من جنس حروفكم التي قد وفقتم في التكلم بها سائر الخلق فما عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله لأنه كلام الله انتج ذلك كماله , فأشير إليه بأداة البعد ولام الكمال
في قوله (ذلك الكتب) لعلو مقدار بجلالة آثاره وبعد رتبته عن نيل المطرودين.
ولما علم كماله أشار إلى تعظيمه بالتصريح بما ينتجه ويسلتزمه ذلك التعظيم فقال (لاريب فيه) أي في شيء من معناه ولا نظمه في نفس الأمر عند من تحقق بالنظر فالمنفي كونه متعلقاً للريب ومظنة له , ولم يقد الظرف لأنه كان يفيد الاختصاص فيهم أن غيره من الكتب محل الريب وأصله قلق النفس واضراربه , ومنه ريب الزمان لنوائبه المقلقة
ولما كان ذلك يستلزم الهدى قال: (هدى) وخص المنتفعين لن الألد لادواء له والتعنت لايرده شىء
فقال: (للمتقين) أي الذين جلبوا في أصل الخلقة على التقوى؛ فافهم ذلك أن غيرهم لا يهتدي به بل يرتاب وإن كان ليس موضعا للريب أصلا
ثم وصفهم بمجامع الأعمال تعريفا لهم فقال (الذين يؤمنون بالغيب) أي الأمر الغائب الذي لا نافع في الإيمان غيره , وعبر بالمصدر للمبالغة.
(ويقيمون الصلاة) أي التي هى حضرة المراقبة وأفضل أعمال البدن بالمحافظة عليها وبحفظها في ذاتها وجميع أحوالها.
ولما ذكر وصلة الخلق بالخالق وكانت النفقة مع أنها من أعظم دعائم الدين صلة بين الخلائق أتبعها بها فقال مقدما للجار ناهيا عن الإسراف ومنبها بالتبغيض على طيب النفقة لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وآمرا بالورع وزاجرا عما فيه شبهة [لأن الرزق يشمل الحلال والحرام والمشتبه (مما رزقناهم) أي مكناهم من الانتفاع به على عظمة خزائننا وهو لنا دونهم (ينفقون) أي في مرضاتنا مما يلزمهم من الزكاة والحج والغزو وغيرها ومما يتطوعون به من الصدقات وغيرها , والمراد بهذه الأفعال هنا إيجاد حقائقها على الدوام.
المعنى العام:
تقدم الكلام على البسملة وأما الحروف المقطعة في أوائل السور فالأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها [من غير مستند شرعي] مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها
وقوله: (ذلك الكتاب) أي: هذا الكتاب العظيم الذي هو الكتاب على الحقيقة المشتمل على ما لم تشتمل عليه كتب المتقدمين والمتأخرين من العلم العظيم والحق المبين ف (لا ريب فيه) ولا شك بوجه من الوجوه ونفي الريب عنه يستلزم ضده إذ ضد الريب والشك اليقين فهذا الكتاب مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب وهذه قاعدة مفيدة أن النفي المقصود به المدح لا بد أن يكون متضمنا لضده وهو الكمال لأن النفي عدم والعدم المحض لا مدح فيه
فلما اشتمل على اليقين وكانت الهداية لا تحصل إلا باليقين قال: (هدى للمتقين) والهدى: ما تحصل به الهداية من الضلالة والشبه وما به الهداية إلى سلوك الطرق النافعة وقال: (هدى) وحذف المعمول فلم يقل هدى للمصلحة الفلانية ولا للشيء الفلاني لإرادة العموم وأنه هدى لجميع مصالح الدارين فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية ومبين للحق من الباطل والصحيح من الضعيف ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم في دنياهم وأخراهم
وقال في موضع آخر: (هدى للناس) فعمم وفي هذا الموضع وغيره (هدى للمتقين) لأنه في نفسه هدى لجميع الخلق فالأشقياء لم يرفعوا به رأسا ولم يقبلوا هدى الله فقامت عليهم به الحجة ولم ينتفعوا به لشقائهم وأما المتقون الذين أتوا بالسبب الأكبر لحصول الهداية وهو التقوى التي حقيقتها: اتخاذ ما يقي سخط الله وعذابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فاهتدوا به وانتفعوا غاية الانتفاع قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية والآيات الكونية
ولأن الهداية نوعان: هداية البيان وهداية التوفيق فالمتقون حصلت لهم الهدايتان وغيرهم لم تحصل لهم هداية التوفيق وهداية البيان بدون توفيق للعمل بها ليست هداية حقيقية [تامة]
¥