والقصة رواها الفسوي في المعرفة (1|166) مختصرة جداً: عن ابن بكير قال: وأخبرني حبيش بن سعيد عن الليث بن سعد قال: «جئت أبا الزبير فأخرج إلينا كتاباً، فقلت: "سماعُك من جابر؟ ". قال: "ومن غيره". قلت: "سماعَك من جابر". فأخرج إليّ هذه الصحيفة». فقد أخرج أبو الزبير في أول الأمر كتاباً كاملاً. فلما طالبه الليث بما سمعه فقط، أخرج صحيفة فقط من أصل الكتاب. فهذا يدل على أن غالب ما رواه عن جابر إنما دلسه عنه ولم يسمعه منه. فهو مكثرٌ من التدليس لا مُقِل. وقد أخرج مسلمٌ وحده من طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر 22 حديثاً. وأخرج بهذه الترجمة بعض أصحاب السنن خمسة أخرى (إن صح الإسناد لليث). فهي 27حديثاً فقط، مما وصل إلينا.

وقد قال الليث: «فقلت له: "أَعْلِم لي على ما سمعت". فأعْلَمَ لي على هذا الذي عندي». فمن غير المعقول إذاً على أبي الزبير –وهو الحريص على تنفيق بضاعته– أن يعلّم له على بضعة أحاديث فقط ويقول له هذا بعض ما سمعت ولن أخبرك بالباقي!! فيكون قد غش الليث مرة أخرى لأن الليث قال له «أَعْلِم لي على ما سمعت». أي على كل ما سمعت. فقد دلّس على الليث قطعاً في أول الأمر. وكاد الليث يرجع لبلده لولا أنه عرف تدليس أبي الزبير، فعاد إليه وطلب منه التعليم على ما سمعه فقط.

أما أن شُعْبَة قد روى عنه، فهذا فيه خلاف. قال الخليلي في الإرشاد (2|495): «شعبة لا يروي عن أبي الزبير شيئاً». وقال ابن حبان في المجروحين (1|151) (1|166 - تحقيق حمدي السلفي): «ولم يسمع شعبة من أبي الزبير إلا حديثاً واحداً، أن النبي r صلى على النجاشي». يقصد لم يرو عنه إلا حديثاً واحداً، وإلا فقد سمع الكثير وما روى عنه. ولو فرضنا أن شعبة قد روى عنه، فقد رجع عن ذلك، وضعّف أبا الزبير. قال نعيم بن حماد سمعت هشيماً يقول: سمعت من أبي الزبير فأخذ شعبة كتابي فمزَّقه. قال ورقاء: قلت لشعبة: مالك تركت حديث أبي الزبير؟ قال: «رأيته يزن ويسترجح في الميزان». وقال شعبة لسويد بن عبد العزيز: «لا تكتب عن أبي الزبير فإنه لا يحسن أن يصلي».

ثم إن حدّث شعبة عنه فلا ينف هذا أن يكون مُدلّساً. فقد حدَّث شعبة عن قتادة وعن كثيرٍ من المحدثين. نعم، ما يرويه شعبة عن المدلّسين فهو محمولٌ على الاتصال، ولا ينفِ هذا تدليس شيخ شعبة إن روى عنه غيره. وقال أحد أهل الجهل بأن شعبة يضعف الراوي المدلس، فتكون روايته عن أبي الزبير توثيقاً له من التدليس. قلت: وهذا كلام لو سكت عنه صاحبه لكان خيراً له. فأين يذهب بقول قتادة: «كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش وأبي إسحاق وقتادة»؟ وهؤلاء هم من أثبت أهل العراق في الحديث، فما اعتبر شعبة التدليس جرحاً لهم كالكذب والزنا، لكنه لم يرو عنهم إلا ما سمعوه من مشايخهم وأعرض عما لم يبينوا فيه السماع، لعلمه بأنهم مدلسين. والتدليس عند جمهور الحفاظ ليس بجرحٍ في الراوي إلا إذا تعمد التدليس عن مجروحين ليخفي ضعفهم. وكونه قد سمع الكثير من حديث أبي الزبير (400 كما يزعمون) لا يعني أن تلك الأحاديث خالية من التدليس، إلا إذا حدث بها شعبة. فهو يسمع حديث مشايخه كله لكنه لا يروي عنهم إلا ما سمعوه من مشايخهم.

ولا يشترط أن تجد وصفه بالتدليس عند كل من ترجم له. وكم من مدلّسٍ ثَبَتَ عنه التدليس بالدليل القاطع، ولا تجد كل من ترجم له يذكر ذلك في ترجمته. وكونه من أهل الحجاز لا ينفِ هذا التدليس عنه (كما زعم الحاكم، وحكم عليه ابن حجر بالوهم). فهذا ابن جريج من كبار حفاظ مكة. ومع ذلك فشرّ التدليس تدليس ابن جريج. وأبو الزبير قد وصفه النَّسائيّ بالتدليس. وأشار إلى ذلك أبو حاتم. ولا يشترط أن يصفه بذلك كل من ترجم له لأن التدليس يصعب كشفه إلا بحصر الروايات الكثيرة. ولذلك يخفى على كثيرين من الحفاظ. ومن علم حجة، كان ذلك حجة على من لم يعلم!

ثم لو لم يكن أبو الزبير يدلّس عن ضعيف، لسمع منه الليث حديثه كله، ولم يكتف بتلك الأحاديث القليلة ويترك الباقي. ولم يكن ليترك الباقي إن كان أبو الزبير قد سمعه من جابر أو سمعه من ثقة عن جابر. والليث هو في مرتبة مالك بن أنس في الحفظ والعلم والإمامة. وهو أعلم من هؤلاء المتأخرين بحال أبي الزبير. فقوله مُقدّمٌ عليهم قطعاً. ومن نفى تدليس أبي الزبير فقد كذب أبا الزبير نفسه الذي أقر على نفسه لليث بذلك!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015