وأما مجاهد، وطاووس، وسعيد بن المسيب، ومالك، فأكثر تحرياً في رواياتهم، وانتقاداً لمن يروون عنه، مع أن يحيى بن سعيد صرّح بأن الكل ضعيف.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل ثنا علي ابن المديني قال: قلت ليحيى: ((سعيد بن المسيب عن أبي بكر؟))، قال: ((ذلك شبه الريح)).
قال وسمعت يحيى يقول: ((مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلىّ من سفيان عن إبراهيم. قال يحيى: وكل ضعيف)).
قال وسمعت يحيى يقول: ((سفيان عن إبراهيم شبه لا شئ، لأنه لو كان فيه إسناد صاح به)).
قال: وقال يحيى: ((أما مجاهد عن علي فليس بها بأس، قد أسند عن ابن أبي ليلى عن علي)).,
وأما عطاء يعني علي فأخاف أن يكون من كتاب)).
قال وسمعت يحيى يقول: ((مرسلات بن أبي خالد ليس بشئ،ومرسلات عمرو بن دينار أحب إلىّ))
قال وسمعت يحيى يقول: ((مرسلات معاوية بن قرة أحب إلىّ من مرسلات زيد بن أسلم)).
وذكر يحيى عن شعبة أنه كان يقول: ((عطاء عن علي إنما هي من كتاب، ومرسلات معاوية بن قرة نرى أنه عن شهر بن حوشب.
قال ابن أبي حاتم ونا أحمد بن سنان الواسطي قال: ((كان يحيى بن سعيد لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً، ويقول: هو بمنزلة الريح ويقول: هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشئ علقوه)).
وكلام يحيى بن سعيد في تفاوت مراتب المرسلات بعضها على بعض يدور على أربعة أسباب:
أحدها: ما سبق من أن من عرف روايته عن الضعفاء ضعف مرسله بخلاف غيره.
والثاني: أن من عرف له إسناد صحيح إلى من أرسل عنه فإرساله خير ممن لم يعرف له ذلك. وهذا معنى قوله: ((مجاهد عن علي ليس به بأس، قد أسند عن ابن أبي ليلى عن علي)).
والثالث: أن من قوي حفظه يحفظ كل ما يسمعه، ويثبت في قلبه، ويكون فيه ما لا يجوز الاعتماد عليه، بخلاف من لم يكن له قوة الحفظ، ولهذا كان سفيان إذا مر بأحد يتغنى بسد أذنيه، حتى لا يدخل إلى قلبه ما يسمعه منه فيقر فيه.
وقد أنكر مرة يحيى بن معين على علي بن عاصم حديثاً وقال: ((ليس هو من حديثك إنما ذوكرت به، فوقع في قلبك، فظننت أنك سمعته ولم تسمعه وليس هو من حديثك)).
وقال الحسين بن حريث سمعت وكيعاً يقول: ((لا ينظر رجل في كتاب لم يسمعه، لا يأمن أن يعلق قلبه منه)).
وقال الحسين بن الحسن المروزي سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ((كنت عند أبي عوانة فحدث بحديث عن الأعمش، فقلت: ليس هذا من حديثك. قال: بلى. قلت: لا. قال: بلى. قلت: لا. قال: يا سلامة هات الدرج، فأخرجت فنظر فيه فإذا ليس الحديث فيه. فقال: صدقت يا أبا سعيد، فمن أين أتيت؟ قلت: ذوكرت به وأنت شاب، فظننت أنك سمعته)).
الرابع: أن الحافظ إذا روى عن ثقة لا يكاد يترك اسمه، بل يسميه، فإذا ترك اسم الراوي دل إبهامه على أنه غير مرضي، وقد كان يفعل ذلك الثوري وغيره كثيراً، يكنون عن الضعيف ولا يسمونه، بل يقولون: عن رجل)). وهذا معن قول القطان: ((لو كان فيه إسناد لصاح به)). يعني لو كان أخذه عن ثقة لسماه وأعلن باسمه.
وقال أحمد في رواية الفضل بن زياد: ((مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات، ومرسلات إبراهيم لا بأس بها، وليس في المرسلات أضعف من مراسيل الحسن وعطاء بن أبي رباح، فإنهما يخذان عن كل)).
وقال أحمد في رواية الميموني وحنبل عنه: ((مرسلات سعيد ابن المسيب صحاح لا نرى أصح من مرسلاته. زاد الميموني: وأما الحسن وعطاء فليس هي بذاك. هي أضعف المراسيل كلها. فإنهما كانا يأخذان عن كل)).
إلى غير ذلك من كلام ابن رجب في أقوال العلماء في قبول ورد بعض المراسيل والمفاضلة بينها.
وقد ذكر أبو داود في رسالته إلى أهل مكة: ((فإن لم يكن مسند ضد المراسيل، ولم يوجد مسند فالمراسيل يحتج بها، وليس هو مثل المتصل في القوة))
وقال الحافظ ابن القيم: «كان الإمام أحمد يأخذ بالمرسل إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، ويرجحه على القياس».
====
انظر للمزيد: ما حررناه في مبحث مراسيل الصحابة،ومقدمة صحيح مسلم، و (الرسالة للشافعي) (ص461)،و (شرح علل الترمذي) لابن رجب،وجامع التحصيل في أحكام المراسيل)، للعلائي،و مقدمة ابن عبدالبر للتمهيد.
ـ[عبدالله السني]ــــــــ[03 - Jun-2008, صباحاً 09:52]ـ
تواريخ المتون
لمعرفة تواريخ المتون فوائد كثيرة إذ له نفع في معرفة النَّاسخ والمَنْسُوخ من الأحكام الشرعية.
ويستفاد منه في مباحث الصحبة، ويعرف به من أدرك مع النبي صلى الله عليه وسلم.
ويستعان به على تدوين السيرة النبوية باعتبار تسلسل أحداثها.
ومن العبارات المستعملة في معرفة التاريخ:
بأن يذكر أن وَّل ما كان كذا, وبذكر الشيء قبل كذا أو بعد كذا, وبآخر الأمرين, ويَكُون بذكر السَّنة, والشَّهر, وغير ذلك.
فمن الأوَّل: «أوَّل ما بُدىء به رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوَحْي الرُّؤيا الصَّالحة».
و «أوَّل ما نَهَاني عنهُ ربِّي بعد عِبَادة الأوثَان, شُرب الخَمْر, ومُلاحاة الرِّجَال». رواه ابن ماجه.
وقد صنَّف العُلماء في الأوائل, وأفرد ابن أبي شيبة في «مصنفه» بابًا للأوائل.
ومن القَبْلية ونحوها: حديث جابر: كانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَانا أن نَسْتدبر القِبْلة أو نَسْتقبلها بفروجنا إذا أهْرَقنا المَاء, ثمَّ رأيتهُ قبل موتهِ بعام يستقبلها. رواه أحمد, وأبو داودوغيرهما.
وحديثه: كان آخر الأمْرَين من رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - تَرْك الوضُوء مِمَّا مسَّت النَّار. رواه أبو داود وغيره.
وحديث جرير أنَّه رأى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - يمسح على الخُفِّ, فقيل له: أقبلَ نُزول سُورة المَائدة أم بعدها؟ فقال: ما أسلمتُ إلاَّ بعد نزول سُورة المَائدة.
ومن المُؤرَّخ بذكر السَّنة ونحوها: حديث بُرَيدة: كانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضَّأ لكلِّ صَلاة, فلمَّا كانَ يوم الفَتْح صلَّى الصَّلوات بوضُوء واحد. أخرجه مسلم.
وحديث عبد الله بن عُكَيم: أتَانَا كِتَاب رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَبْل مَوْتهِ بِشَهْر: «أنْ لا تَنْتفعُوا من المَيْتة بإهَاب ولا عَصَب». رواه الأربعة.
¥