وإذا كان ذلك مقولاً لأمهات المؤمنين -رضي الله تعالى عنهن- فغيرهن من باب أولى؛ ولكن قد يفهم من هذا النهي عن الخضوع بالقول أنها ترد على الرجال، وتكلم الرجال برد غليظ، وبكلام جاف مع غلظة وشدة، فبين الله -عز وجل- أن ذلك غير مراد، فقال: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} [(32) سورة الأحزاب]، فالقول المعروف لا يكون فيه فضاضة وغلظة ترد على الرجل كأنها مغضبة، والقول المعروف لا تخضع فيه المرأة وتتغنج وتنعم كلامها وترققه مع الرجال الأجانب، والقول المعروف لا تتخير فيه المرأة الألفاظ التي لا تصلح إلا مع زوجها، أو لربما محارمها، هذا هو القول المعروف، يشمل هذه الأوصاف الثلاثة.

ثم لما أدبهن الله –جل وعلا- بالقول والكلام كيف تتكلم الواحدة منهن مع الرجال الأجانب، علمهن أدباً آخر فقال: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [(33) سورة الأحزاب].

{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}: فيه قراءتان متواترتان، الأولى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} وهي قراءة عاصم ونافع، والقراءة الثانية: (وقِرْن في بيوتكن) بكسر القاف، وبعض أهل العلم يقولون: إن معنى القراءتين واحد، فهو من القرار، وبعض أهل العلم يفرق بينهما وهذا التفريق ليس بين القولين فيه منافاة؛ {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} من القرار، من قرَّ الماء في الحوض، أي استقر، فتكون مستقرة، باقية غير خراجة ولا ولاجة، لأن المرأة التي تكثر الخروج في أول نهارها وفي آخره، لا يقال إنها قارة في البيت.

والقراءة الأخرى، (وقِرن في بيوتكن) فسرها جمع من الأئمة -أئمة التفسير- بمعنى الوقار، وقرن من الوقار، والمعنيان متلازمان؛ إذ أن وقار المرأة المسلمة يكمن في قرارها في بيتها، وذلك أن المرأة إذا كانت خراجة ولاجة فإن ذلك يكون على حساب وقارها ولا بد، وهذا أمر مشاهد، فإن المرأة الخراجة الولاجة يكون فيها من الجرأة ما لا يكون في غيرها عند النساء القارَّات في البيوت.

والمرأة إنما تمدح -حتى في كلام العرب وأشعارهم، ولربما وصفت بالقاصرة: أي التي تعكف في بيتها فلا تخرج منه ولا تراها الشمس- يمدحونها في أشعارهم، ومن أراد أن يقف على شيء جيد من ذلك فليراجع كتاب: الرحلة إلى حج بيت الله الحرام للشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- فله كلام جيد وأشعار جميلة في مثل هذا المعنى.

فالمقصود أن الوقار مقترن بالقرار، المرأة يكون وقارها على قدر قرارها، أما إذا كان خروجها لعمل تختلط فيه بالرجال الأجانب، فإن ذلك يمسح ماء وجهها، سواء كانت تعمل بائعة، أو كانت تعمل مسوِّقة، أو كانت تعمل في مكان تطبب فيه الرجال، أو تخالط الرجال بأي صورة من الصور، فإنها مهما كانت محافظة، أو تحاول أن تحافظ على حشمتها فإن وقارها يتناقص ولا بد.

وقَرْن، وقِرْن في بيوتكن، ثم قال بعده {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [(33) سورة الأحزاب]: فالمرأة المتبرجة كيف تكون كذلك؟

يقال: بكثرة الخروج أن تكون خراجة ولاجة، ويكون ذلك أيضاً بالتكشف والتهتك باللباس والتعري أمام الرجال، ويكون ذلك بمزاحمة الرجال بالأسواق ومخالطتهم في أماكن العمل، يكون إذا كانت بائعة في الأسواق، إذا كانت هذه المرأة تعمل في كل مجال يتاح لها من غير حياء ولا حشمة ولا مراعاة للآداب الإسلامية؛ كل ذلك يكون من تبرجها.

ومن تبرج المرأة أن تسير في وسط الطريق، وقد نهى النبي –صلى الله عليه وسلم النساء عن السير في وسط الطريق، فقال –عليه الصلاة والسلام-: ((ليس للنساء وسط الطريق)) [1]، ولقد أدركنا النساء في بعض النواحي يتشقق جانب عباءتها؛ لأنها إذا رأت رجلاً في الطرق التصقت بالحائط، وكانت الحوائط يومئذ مبنية من الطين ويخالطه -أعزكم الله– التبن من أجل أن يتماسك الطين، فلكثرة ما تلتصق المرأة بالجدار يتمزق جوانب عباءتها، وقد رأيت ذلك بعيني.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015