وكان أحياناً يعرض له ما يؤذيه في صلاته فلا يقطعها حتى يتمها، فقد أبَّره زنبور في بيته سبعة عشر موضعاً وقد تورّم من ذلك جسده فقال له بعض القوم: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما أبرك؟ فقال: كنت في سورة فأحببت أن أتمها.
كما كان - رحمه الله - ورعاً في منطقه وكلامه فقال رحمه الله: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً.
قال الذهبي معلقاً على كلامه هذا: قلت: صدق رحمه الله، ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه، فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر، ونحو هذا.
وقل أن يكون: فلان كذاب، أو كان يضع الحديث، حتى إنه قال: إذا قلت فلان في حديثه نظر، فهو متهم واه.
وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدا. وهذا هو والله غاية الورع.
وكان مستجاب الدعاء، فلما وقعت له محنته قال بعد أن فرغ من ورده: " اللهم إنه قد ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك " فما تم شهر حتى مات. حكاه ابن عدي.
بعض مؤلفاته:
الجامع الصحيح، الأدب المفرد، التاريخ الكبير، التاريخ الأوسط، التاريخ الصغير، خلق أفعال العباد، الرد على الجهمية، المسند الكبير، الأشربة، الهبة، أسامي الصحابة الوحدان، العلل، الكني، الفوائد، قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، رفع اليدين في الصلاة، القراءة خلف الإمام، بر الوالدين، الضعفاء. وغيرها كثير.
وفاته:
لما منع البخاري من العلم خرج إلى " خرتنك " وهي قرية على فرسخين من سمرقند، كان له بها أقرباء فبقي فيها أياماً قليلة، ثم توفي وكان ذلك ليلة السبت ليلة عيد الفطر عند صلاة العشاء، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ستة وخمسين ومائتين، وعاش اثنين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوماً وكانت حياته كلها حافلة بالعلم معمورة بالعبادة، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
مصادر الترجمة:
سير أعلام النبلاء (12/ 391)، تذكرة الحفاظ (2/ 555)، الجرح والتعديل (7/ 191)، طبقات الحنابلة (1/ 271، 279)، تاريخ بغداد (2/ 4،33)، وفيات الأعيان (/188،191)، تهذيب الكمال (1168،1172)، العبر (2/ 12، 13)، الوافي بالوفيات (2/ 206، 209)، طبقات الشافعية للسبكي (2/ 212، 241)، هدي الساري ص478، النجوم الزاهرة (3/ 25، 26)، شذرات الذهب (2/ 134، 136).
2ً- الجامع الصحيح:
اسم الكتاب:
حسب ما رجحه الحافظ ابن حجر في هدي الساري: "الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله (ص) وسننه وأيامه".
ويقال له الجامع الصحيح، ويقال اختصاراً: صحيح البخاري وهو المشهور بين الناس.
الباعث على تأليف الجامع الصحيح:
1 - رغبة في تمييز الحديث الصحيح وتمييزه عن الضعيف.
2 - تلبية لرغبة شيخه إسحاق بن راهويه؛ حيث قال: لو جمعتم كتاباً لصحيح سنة رسول الله (ص)، قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح.
3 - وقال البخاري: رأيت النبي (ص) وكأني بين يديه وبيدي مِروحةٌ أذبُّ عنه، فسألت بعض المعبرين فقال لي: أنت تذب عنه الكذب.
موضوع الكتاب:
قال ابن حجر في هدي الساري: بيان موضوعه والكشف عن مغزاه؛ فيه تقرر أنه التزم فيه الصحة وأنه لا يورد فيه إلا حديثا صحيحا، هذا أصل موضوعه، وهو مستفاد من تسميته إياه: الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله (ص) وسننه وأيامه. ومما نقلناه عنه من رواية الأئمة عنه صريحا، ثم رأى أن لا يخليه من الفوائد الفقهية والنكت الحكمية، فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام؛ فانتزع منها الدلالات البديعة وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة. قال الشيخ محيي الدين نفع الله به: ليس مقصود البخاري الاقتصار على الأحاديث فقط بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبواب أرادها ولهذا المعنى أخلى كثيرا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر فيه على قوله فيه: فلان عن النبي r أو نحو ذلك وقد يذكر المتن بغير إسناد وقد يورده معلقا وإنما يفعل هذا لأنه أراد الاحتجاج للمسألة التي ترجم لها ..
رواة الجامع الصحيح عن البخاري:
•1 - الفِربري محمد بن يوسف بن مطر، وهي أهم الروايات.
•2 - أبو طلحة منصور البزدوي.
•3 - إبراهيم بن معقل النسفي.
•4 - حماد بن شاكر.
•5 - أبو ذر عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الهروي الحافظ.
¥