كان الاعتبار الأول الذي يحكم تبويبه لكتابه الصحيح، هو تيسير وصول المسلم إلى الحديث الصحيح الذي يريده ليعمل به، وقد انعقدت نيته لتصنيف كتابه الصحيح عندما سمع شيخه إسحاق بن راهويه يقول لتلاميذه وبينهم البخاري: لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة النبي (ص). ولما شرع في تصنيف صحيحه، اختار أعلى الرواة مرتبة، ثم اشترط في السند شرطا أساسيا، وهو سماع الراوي من شيخه، ثم قسم كتابه ليس على الكتب الفقهية كما في معظم كتب السنن، وإنما أضاف إلى التبويب الفقهي مجموعة من الأبواب منها: التوحيد والمغازي والسير، والجهاد، الأخلاق والآداب، كما أضاف كتابا يعد من أكبر كتبه وهو كتاب تفسير القرآن الكريم، كما أنه وضع عددا من الأبواب ولم يدرج تحتها أحاديث حيث لم يجد فيما يحفظ حديثا محققا لشروطه حتى يضمه إلى الصحيح.
وقد تتبع الدارقطني أحاديث صحيح البخاري، ووجه نقدا لثمانين حديثا ليست على شرط البخاري، وذلك في كتاب الإلزامات والتتبع، إلا أن ابن حجر درس أقوال الدارقطني، وناقشها في هدي الساري، وصل إلى نتيجة صواب البخاري في كل منها، علما بأن انتقادات الدارقطني – رحمه الله – في مجملها لا تتعلق بصحة الحديث، وإنما يعترض على إيراده لها لأنها ليست على شرطه، فيما يراه الدارقطني، وقد رد ابن حجر على ذلك كما ذكرنا.
1. ذكر البخاري أنه كان يحفظ مائة ألف حديث صحيح، وقد أدخل في الصحيح ما يتجاوز سبعة آلاف حديث فقط، ويقول وتركت من الصحيح حتى لا يطول، يقول الشيعة أن البخاري ضيع بضعا وتسعين ألف حديث صحيح، والجواب على ذلك: إن ما تركه البخاري ليست متونا صحيحة، وإنما هي طرق رواية وأسانيد يحفظها تبلغ مائة ألف طريق لنفس المتون، والدليل على ذلك تصرف البخاري نفسه، فقد روى في صحيحه 2362 حديث، ذكرها فيما يزيد عن سبعة آلاف موضع، فالحديث الواحد في البخاري يتكرر ثلاث مرات في المتوسط، ولو كان البخاري يحفظ مائة ألف متن صحيح ليس فيها تكرار، فكيف يصنف كتابا جامعا شاملا يتضمن فقط 2 % مما يحفظ.
2. رب قائل يقول إن البخاري يحفظ مائة ألف متن ليس فيها تكرارات، وأنه ما أثبتها في الصحيح خشية الإطالة، والجواب على ذلك: أنه لو خشي الإطالة ما كرر أحاديث الصحيح، وكان الأولى أن يذكر سبعة آلاف متن صحيح من المائة ألف التي يحفظها، وبهذا تتضاعف فائدة كتابه ثلاثة مرات، عن أن يكرر المتن الواحد ثلاثة مرات.
3. ويصمم القائل على رأيه، فنقول له: لو كان رأيك صوابا فبرر لنا لم اكتفى بتدوين 2 % مما يحفظ في الجامع الصحيح، وما الذي منعه من تدوين باقي ما يحفظ وهو 98 % حسب زعمكم في مصنفات أخرى؟ خاصة وقد ترك لنا عددا من المصنفات في موضوعات أقل أهمية من الأحاديث التي يحفظها. أيحرص على كتابة: "قرة العينين برفع اليدين، والقراءة خلف الإمام، والتاريخ الكبير، والتاريخ الصغير، والضعفاء الصغير،،،".
4. ونزيد القائل بيانا فنقول: إن تلاميذ البخاري لا يحصون كثرة من المحدثين، فلماذا لم يمل عليهم ما حفظه وضاع حسب مزاعم الشيعة، ولماذا لم يسجل لنا أحدهم ما كان يحفظه شيخه البخاري من الأحاديث الصحيحة.
5. لماذا صنف الإمام مسلم وهو ممن تلقى عن البخاري صحيحه ويحصر نفسه في 60 % مما رواه البخاري في صحيحه، أما كان من الأجدر أن يصنف فيما يحفظه عن البخاري وهو صحيح، ولم يدونه البخاري في صحيحه.
6. لماذا صنف الترمذي أيضا كتابه السنن، ودون فيه نسبة تزيد على 40 % من أحاديثه أخرجها البخاري في صحيحه، ولا تكاد تخلوا صفحة من كتاب سنن الترمذي دون أن يرجع فيها لسؤال البخاري عن حديث أو رجل، فلماذا أعرض عما يحفظه البخاري من أحاديث صحيحة ولم يدرجها في صحيحة؟
ويمكن الرد على تلك الشبهة بما يلي:
1. إن مراد علماء الحديث عن عدد ما يحفظونه من أحاديث ليس متونا جديدة، وإنما هي طرق رواية لنفس المتون، وبالتالي فإن كثيرا من هذه الأعداد مكرر بكثرة الطرق دون المتون.
2. أنه خاف السآمة والملل وطول الكتاب وصعوبة حفظه وكبر حجمه فاكتفى بما أورد اعتمادا على جهود إخوانه من العلماء الآخريين التي وقف عليها يقينا مثل الموطأ والمسند لشيخه الإمام أحمد وغيرهما.
3. أن له آراء في الحكم على الأحاديث أورد بعضها الترمذي وأبو داود.
وفي النهاية لم يكن مطلوبا منه جمع السنة كلها في كتاب واحد فذلك أمر يضيق عنه جهد فرد واحد، والله أعلم.
ـ[أبو محمد العمري]ــــــــ[13 - May-2008, صباحاً 02:47]ـ
بارك الله فيكم موضوع قيم.
ورحم الله من قال:
أنائم أنت عن كتب الحديث وما ... أتى على المصطفى فيها من الدين
لمسلم والبخارى اللذين هما ... شدا عرى الدين فى نقل وتبيين
أولى بأجر وتعظيم ومحمدة ... من كل قول أتى من رأى سحنون
هيهات رأى أمرئِِ من وحى خالقنا ... قياس هذا بذا رأى المجانين
يا من هدى بهما اجعلنى كمثلهما ... فى نصر دينك محضاً غير مفتون
لا تقطعن بى رب العرش دونهما ... يوم الحساب وفى وضع الموازين
¥