ومثَّل لذلك بحديث دخول السوق المعروف وهو مما اختلف العلماء في تحسينه وتضعيفه، وهو ما رواه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة.

قال شيخ الإسلام: فإن ذكر الله في السوق مستحب لما فيه من ذكر الله بين الغافلين، -أي وقد دلت النصوص على فضيلة الذكر واستحبابه- فأما تقدير الثواب المروي فيه فلا يضر ثبوته ولا عدم ثبوته. انتهى

ومما يؤكد ما قاله شيخ الإسلام أن أول من صرح باشتراط هذا الشرط للعمل بالضعيف هو الإمام ابن دقيق العيد -رحمه الله- وقد بين مراده بنفسه، قال الزركشي -رحمه الله- في النكت على مقدمة ابن الصلاح 2/ 311 نقلاً عن ابن دقيق العيد في شرح العمدة قوله: حيث قلنا يعمل بالضعيف لدخوله تحت العمومات، مثاله: الصلاة المذكورة في أول جمعة من رجب، فإن الحديث فيها ضعيف، فمن أراد فعلها وإدراجها تحت العمومات الدالة على فضل الصلاة والتسبيحات لم يستقم، لأنه صح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام، وهذا أخص من العمومات الدالة على فضيلة مطلق العبادة، قال: وهذا الاحتمال الذي قلناه من جواز إدراجه تحت العمومات نريد به في الفعل لا في الحكم باستحباب ذلك الشيء المخصوص بهيئته الخاصة، لأن الحكم باستحبابه على هيئته الخاصة يحتاج إلى دليل عليه ولا بد، بخلاف ما إذا بني على أنه من جملة الخيرات التي لا تختص بذلك الوقت، ولا بتلك الهيئة. وهذا هو الذي قلنا باحتماله وجواز العمل به. انتهى كلامه -رحمه الله-

والله أعلم.

كلام نفيس لابن تيمية بشأن العمل بالحديث الضعيف

السؤال

ما حكم العمل بالحديث الضعيف وما شروط العمل به؟

الفتوى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فالراجح جواز العمل بالحديث الضعيف بشروط هي:

الأول: أن يكون ذلك في فضائل الأعمال.

الثاني: أن يكون العمل مندرجاً تحت أصل معمول به.

الثالث: أن لا يكون الحديث شديد الضعف.

الرابع: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد صاحبه الاحتياط، مع التنبه للمراد من العمل بالحديث الضعيف كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى حيث قال: ما عليه العلماء من العمل بالحديث الضعيف ليس معناه إثبات الاستحباب بالحديث الذي لا يحتج به، فإن الاستحباب حكم شرعي فلا يثبت إلا بدليل شرعي، ومن أخبر عن الله أنه يحب عملاً من الأعمال من غير دليل شرعي فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، كما لو أثبت الإيجاب والتحريم ...... وإنما مرادهم بذلك: أن يكون العمل مما قد ثبت أنه مما يحبه الله أو مما يكرهه بنص أو إجماع، كتلاوة القرآن والتسبيح والدعاء والصدقة والعتق والإحسان إلى الناس وكراهة الكذب والخيانة ونحو ذلك.

فإذا روي حديث في فضل بعض الأعمال المستحبة وثوابها وكراهة بعض الأعمال وعقابها فمقادير الثواب والعقاب وأنواعه إذا روي فيها حديث لا نعلم أنه موضوع جازت روايته والعمل به، بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثواب أو تخاف ذلك العقاب، كرجل يعلم أن التجارة تربح لكن بلغه أنها تربح ربحاً كثيراً، فهذا إن صدق نفعه وإن كذب لم يضره، ومثال ذلك الترغيب والترهيب بالإسرائيليات والمنامات وكلمات السلف والعلماء ووقائع العلماء ونحو ذلك مما لا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعي لا استحباب ولا غيره، ولكن يجوز أن يذكر في الترغيب والترهيب والترجية والتخويف.

فإذا تضمنت أحاديث الفضائل الضعيفة تقديراً وتحديداً مثل صلاة في وقت معين بقراءة معينة أوعلى صفة معينة لم يجز ذلك لأن استحباب هذا الوصف المعين لم يثبت بدليل شرعي، بخلاف ما لو روي فيه من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله ... كان له كذا وكذا، فإن ذكر الله في السوق مستحب لما فيه من ذكر الله بين الغافلين ...

فأما تقدير الثواب المروي فيه فلا يضر ثبوته ولا عدم ثبوته.

فالحاصل أن هذا الباب يروى ويعمل به في الترغيب والترهيب لا في الاستحباب، ثم اعتقاد موجبه وهو مقادير الثواب والعقاب يتوقف على الدليل الشرعي. انتهى

فتأمل هذا الكلام فإنه نفيس جداً.

والله أعلم.

إيضاح مسألة أخذ الإمام أحمد بالحديث الضعيف والمرسل

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015