إنَّ تفريق ابن حجر وأهل العلم بعده بين الشاذ والمنكر، وقصر مدلول الشاذ على الشاذ، والمنكر على المنكر، هو الأولى؛ كي لا تتداخل المصطلحات، فابن حجر ومن جاء بعده فرّقوا بين الشاذ والمنكر، وقصروا مدلول كل واحد على معناه، وقيدوا النوعين بقيد المخالفة، فإنْ كانت مخالفة مقبول (1) فهو الشاذ، وإنْ كان ضعيفاً فهو المنكر، قال ابن رجب عن قاعدة الإمام أحمد في المنكر: ((إنَّ ما انفرد به ثقة، فإنَّه يُتوقف فيه حتى يتابع عليه، فإنْ توبع عليه زالت نكارته، خصوصاً إن كان الثقة ليس بمشتهر في الحفظ والإتقان، وهذه قاعدة يحيى القطان، وابن معين، وغيرهما)) (2) وهذا الصنيع هو الذي يبين للمرء واجب المحدّثين المتأخرين، الذين نجموا بعد القرن الثالث الهجري، والذين كان لهم أثر في خدمة العلم وبيان المصطلحات، حتى لا يقع اللبس على الحديثيّ المبتدئ (3).
إذن فالرواية الشاذة والمنكرة ضعيفة لا تتقوى ولا تصلح للترقية فالخطأ لا يقوي خطأ.
وليعلم أنَّ صعوبة إدراك الشاذ والمنكر من الروايات أمر ليس باليسير؛ فإنَّ جهابذة النقاد من المحدّثين لا تفوتهم معرفة الشاذ؛ لجودة قريحتهم، وسعة حفظهم، ولما لديهم من معطيات مكنتهم من هذا الفن، قال البيهقي: ((وهذا النوع من معرفة صحيح الحديث من سقيمه، لا يعرف بعدالة الرواة وجرحهم، وإنَّما يعرف بكثرة السماع، ومجالسة أهل العلم بالحديث، ومذاكرتهم، والنظر في كتبهم، والوقوف على روايتهم، حتى إذا شذ منها حديث عرفه)) (4).
أقول: هذا نظر ثاقب من الحافظ البيهقي – وهو الخبير الناقد – إذ إنَّ معرفة العلل عموماً، ومعرفة الشاذ والمنكر خصوصاً، والحكم على الأحاديث، ليست قضية حسابية نظرية تبنى على قواعد ظاهرة فقط، بل إنَّ التصحيح والتضعيف، ومعرفة العلل والنكارة والشذوذ، يناله النقاد من أهل الحديث، حينما تكون لديهم جملة وافرة من المعطيات، تمكنهم من نقد المرويات والحكم عليها، بحيث يترجح عندهم الحكم الذي يليق بتلك الرواية مع وجود القرائن التي تحفها، فيحكمون على كل رواية بما يليق بها.
ولما مكنَّهم الله من ذلك فإنَّهم كانوا لا يشذ عنهم شيءٌ إلا عرفوه وحكموا فيه بما يستحق، قال أبو داود: ((ولو احتج رجلٌ بحديث غريب وجدت من يطعن فيه، ولا يحتجُ بالحديث الذي قد احتج به، إذا كان الحديث غريباً شاذاً. فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح، فليس يقدر أن يرده عليك أحدٌ)) (5). ..........................
(1) أعني بمصطلح مقبول: الثقة والصدوق.
(2) " فتح الباري " 4/ 174.
(3) انظر: " نزهة النظر ": 53، و " النكت " 2/ 652 - 653 و: 431 - 432 بتحقيقي، وقال المناوي في " اليواقيت والدرر " 1/ 424: ((وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح)).
(4) " معرفة السنن والآثار " 1/ 82 مقدمة ط. العلمية و (170) ط. الوعي.
(5) " رسالة أبي داود إلى أهل مكة ": 47، وقد صدّر هذا الكلام بقوله: ((فإنَّه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم)) ويقصد بالغريب الشاذ.
المصدر: http://www.hadiith.net/montada/showt...6557#post36557
ـ[أبو الوليد المغربي]ــــــــ[03 - Oct-2008, مساء 08:33]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم. شيخنا ماهر بن ياسين الفحل راسلت أحد دور النشر المصرية فقبلت نشر كتبكم إلا أنهم يريدون إذنا خطيا خاصا بهم فحبذا لو تراسلني على الخاص كي أمدكم حفظكم الله بالتفاصيل.
ـ[القرشي]ــــــــ[04 - Oct-2008, مساء 02:42]ـ
--------------------------------------------------------------------------------
فمن الواجب المؤكد أن يتنبه العبد إلى أن الحكم على عبادة ما بأنها بدعة لا يكون مفضيا بالضرورة إلى وصف القائل بها بأنه مبتدع لاحتمال التأويل ولاحتمال الخطأ ولاحتمال الإعتماد على نصوص من السنة هي عند المحتج بها صحيحة وعند غيره ضعيفة كما في مسألة القنوت في الفجر وقول الشافعية بسنيته .. ,
¥