............................. .................... .............................. .................... .

ومن أهم الواجبات على أهل هذا الزمان تتبّع أقوال كبار نقاد الحديث على الحديث المراد بحثه، وذلك بالرجوع إلى كتب العلل والمسانيد والجوامع وغيرها، وإلى كتب التخريج التي عند المتأخرين التي تنقل أقوال المتقدمين ثم الاستفادة من كل كلمة يقولونها عن الحديث؛ لأنَّ إعلالات الأئمة للأخبار مبنيةٌ في الغالب على الاختصار، والإجمال، والإشارة وعدم التفصيل، فيقولون مثلاً: ((الصواب رواية فلان)) (1)، أو ((وَهِمَ فلانٌ)) (2)، أو ((لا يتابع عليه)) (3) أو ((لا يعرف الحديث إلا به)) (4). أو ((حديث فلان يشبه حديث فلان)) (5) أو ((دَخَلَ حديثٌ في حديث)) (6) أو ((حديث ليس له إسناد)) (7) أو ((هذا حديث فائدة)) (8) وهم في الأعم الأغلب لا يذكرون الأدلة والأسباب التي دعتهم إلى ذلك القول؛ لأنَّ كلامهم في الغالب موجهٌ إلى أناسٍ يفهمون الصناعة الحديثية والعلل، يدركون المراد بمجرد إشارة الإمام للعلة وذكرها وكأنهَّم لا يحتاجون إلى مزيد إيضاح، ولسان حال أولئك أنَّهم ألفوا هذا العلم لهؤلاء القوم.

ثمّ بعدَ النظر إلى كلام الأئمة النقاد لا بد من دراسة أسباب هذا الحُكْم من الناقد، ثم الموازنة بين أقوال بقية النقاد له، وتجدر الإشارة إلى أن كثرة الممارسة لكلام النقاد، وفهم مرادهم في إطلاقاتهم تتكون لدى الباحث مَلَكةٌ تؤدي إلى فهم هذا العلم فهماً صحيحاً.

ومن الأمور المهمة التي تلزم المعلل: معرفة عدد ما لكل راو عن شيخه من الأحاديث (9) وكذلك ما يروى بالإسناد الواحد من الأحاديث، وهو ما يسميه المحدّثون " نسخة " أو "صحيفة"، وكذلك معرفة ما لم يسمعه الراوي من شيخه؛ فالراوي قد يسمع من شيخه مجموعة من الأحاديث، وبالمقابل لا يسمع من شيخه أحاديث أخرى، ومن أهم ما يلزم المعلل معرفة أحاديث الباب؛ إذ قد تأتي أحاديث معلولة ناتجة عن خطأ يظنها غير المتأمل شواهد تقوي أحاديث الباب، ثم لا بد للمعلل من معرفة الأسانيد التي لا يثبت منها شيء؛ لذا نجد المحدثين قد أولوا ذلك عناية بالغة (10)؛ إذ إنَّ بعض الأحاديث لا ترد إلا من تلك الأسانيد التي لا أصل لصحتها، ومثل ذلك أمارةٌ على بطلان تلك الأحاديث.

.......................

(1) انظر: "تهذيب التهذيب" 8/ 76.

(2) انظر: "علل ابن أبي حاتم" (45).

(3) انظر: "العلل المتناهية" (296)، وعند مراجعة كتابي "كشف الإيهام ": 492 (405) ستجد مثالاً جيداً.

(4) انظر: "العلل المتناهية" (185).

(5) انظر: "الجامع في العلل ومعرفة الرجال" 2/ 41 (340).

(6) انظر: "الكفاية": 142، و"فتح الباري" 1/ 621 عقب (3070).

(7) انظر: "الكفاية": 142.

(8) انظر: "الكفاية": 142.

(9) انظر في هذا بحثاً نفيساً في "معرفة مدار الإسناد" 1/ 268 - 286.

(10) انظر: شرح علل الترمذي 2/ 732 ط. عتر، و2/ 845. ط همام، و"العجاب في بيان الأسباب" 1/ 209، و"البحر الذي زخر" 3/ 1293.

.............................. .................... .............................. ................... ز ز

وربما أطلت في هذا الموضوع لأهميته لكني أختم بكلام العلاّمة المعلمي اليماني في أسباب تحصيل الملكة الحديثية، قال رحمه الله: ((وهذه ((المَلَكَةُ)) لم يُؤتوها من فراغ، وإنما هي حصاد رحلةٍ طويلة من الطلب، والسماع، والكتابة، وإحصاء أحاديث الشيوخ، وحفظ أسماء الرجال، وكناهم، وألقابهم، وأنسابهم، وبلدانهم، وتواريخ ولادة الرواة ووفياتهم، وابتدائهم في الطلب والسماع، وارتحالهم من بلد إلى آخر، وسماعهم من الشيوخ في البلدان، من سمع في كل بلد؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع من سمع؟ وكيف كتابه، ثم معرفة أحوال الشيوخ الذين يحدث الراوي عنهم، وبلدانهم، ووفياتهم، وأوقات تحديثهم، وعادتهم في التحديث، ومعرفة مرويات الناس في هؤلاء الشيوخ، وعرض مرويات هذا الراوي عليها، واعتبارها بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه. هذا مع سعة الاطلاع على الأخبار المروية، ومعرفة سائر أحوال الرواة التفصيلية، والخبرة بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب، وبمظنات الخطأ والغلط، ومداخل الخلل.

هذا مع اليقظة التامة، والفهم الثاقب، ودقيق الفطنة، وامتلاك النفس عند الغضب، وعدم الميل مع الهوى، والإنصاف مع الموافق والمخالف، وغير ذلك.

وهذه المرتبة بعيدة المرام، عزيزة المنال، لم يبلغها إلا الأفذاذ، وقد كانوا من القلة بحيث صاروا رؤوس أصحاب الحديث فضلاً عن غيرهم، وأضحت الكلمة إليهم دون من سواهم)) "النكت الجياد" 1/ 128.

المصدر:

http://www.hadiith.net/montada/showthread.php?t=3674

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015