هكذا أبان الإمام مسلم أنَّ صناعة الحديث، ومعرفة علله هو علم يختص به أهل الحديث خاصة، وهذا النص الذي نقلته بطوله منْ أنفس النصوص، وأقدمها، ومن خلاله يبين للقارىء – أي قارىء – أنَّ هذا العلم منْ أصعب العلوم وأحنكها، ولا يتمكن فيه إلا من كان تقوى الله رائدُهُ، وبالنوافل ديدنه، والكف عن المحارم طريقته؛ إذ إنَّ صِمام الأمان تقوى الله أولاً، ثم المعرفة التامة لذلك العلم قال الذهبي: ((فحق على المحدِّث أنْ يتورع في ما يؤديه، وأنْ يسأل أهل المعرفة والورع ليعينوه على إيضاح مروياته، ولا سبيل إلى أنْ يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار ويُجرّحهم جِهبذاً إلا بإدمان الطلب والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى والدين المتين والإنصاف والتردد إلى مجالس العلماء والتحري والإتقان وإلا تفعل:
فَدعْ عَنْكَ الكتابةَ لستَ مِنها ولو سَوّدتَ وجهكَ بالمدادِ
قال الله تعالى عز وجل: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (1) فإنْ آنست يا هذا من نفسك فهماً وصدقاً وديناً وورعاً وإلا فلا تتعن، وإنْ غلب عليك الهوى والعصبية لرأي ولمذهب فبالله لا تتعب، وإنْ عرفت أنَّك مخلطٌ مخبطٌ مهملٌ لحدودِ الله فأرحنا منْكَ، فبعد قليلٍ ينكشف البهْرج، وينكبُّ الزغل، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فقد نصحتك فعلم الحديث صلفٌ، فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كدت أنْ لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب)) (2).
إذن فهذا الفن ليس كبقية الفنون؛ إذ المعرفة به تستدعي علوماً أخرى خادمة له، وقد أعجبني كلامٌ طويلٌ لابن الأثير أنقله جميعه لأهميته، فقد قال رحمه الله تعالى: (( ... إلا أنَّ من أصول فروض الكفايات علم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وآثار أصحابه رضي الله عنهم التي هي ثاني أدلة الأحكام ومعرفتها أمرٌ شريفٌ، وشأنٌ جليلٌ، لا يحيط به إلا من هذّب نفسه بمتابعة أوامر الشرع ونواهيه، وأزال الزيغ عن قلبه ولسانه، وله أصولٌ وأحكامٌ وقواعد وأوضاعٌ واصطلاحات ذكرها العلماء، وشرحها المحدّثون والفقهاء، يحتاج طالبُه إلى معرفتها، والوقوف عليها بعد تقديم معرفة اللغة والإعراب، اللذين هما أصلٌ لمعرفة الحديث، لورود الشريعة المطهرة بلسان العرب. وتلك الأشياء: كالعلم بالرجال، وأساميهم، وأنسابهم، وأعمارهم، ووقت وفاتهم، والعلم بصفات الرواة، وشرائطهم التي يجوز معها قبول روايتهم، والعلم بمستند الرواة، وكيفية أخذهم الحديث، وتقسيم طرقه، والعلم بلفظ الرواة وإيرادهم ما سمعوه، وإيصاله إلى من يأخذه عنهم، وذكر مراتبه والعلم بجواز نقل الحديث بالمعنى، ورواية بعضه والزيادة فيه، والإضافة إليه ما ليس منه، وانفراد الثقة بزيادة فيه. والعلم بالمسند وشرائطه والعالي منه والنازل، والعلم بالمرسل وانقسامه إلى المنقطع والموقوف والمعضل وغير ذلك واختلاف الناس في قبوله ورده، والعلم بالجرح والتعديل، وجوازهما ووقوعهما، وبيان طبقات المجروحين والعلم بأقسام الصحيح من الحديث والكذب (3)، وانقسام الخبر إليهما وإلى الغريب والحسن وغيرهما، والعلم بأخبار التواتر والآحاد، والناسخ والمنسوخ وغير ذلك (4) مما تواضع عليه أئمة الحديث، وهو بينهم متعارف، فمن أتقنها أتى دار هذا العلم من بابها، وأحاط بها من جميع جهاتها، وبقدر ما يفوته منها تنزل عن الغاية درجتُهُ، وتنحط عن النهاية رتبته، إلا أنَّ معرفة التواتر والآحاد، والناسخ والمنسوخ، وإنْ تعلقت بعلم الحديث – فإنَّ المحدّث لا يفتقر إليها، لأنَّ ذلك من وظيفة الفقيه؛ لأنَّه يستنبط الأحكام من الأحاديث، فيحتاج إلى معرفة المتواتر والآحاد والناسخ والمنسوخ، فأمّا المحدّث، فوظيفتُهُ أنْ ينقل ويروي ما سمعه من الأحاديث كما سمعه، فإنْ تصدى لما وراءه فزيادةٌ في الفضل، وكمالٌ في الاختيار)) (5).
لقد أطال ابن الأثير رحمه الله تعالى وأطاب، وأبانَ لمن جاء بعده البضاعة لهذه الصناعة، وأنَّها صناعةٌ ليست كبقية الصناعات. ونحن نعلم أنَّ علم العلل رأسُ علوم الحديث، إذ من خلاله نعرف صحيح الحديث من ضعيفه، ونميز عدله من معوجه، ومرفوعه من موقوفه ومسنده من مرسله.
...................
(1) النحل: 43
¥