فأما رواية أشعث، فالوجه الثاني فيها أضعف ما جاء عنه، فالراوي عن وكيع: صالح بن عبد الصمد بن أبي خداش، ذكره ابن حبان في الثقات (8/ 319)، ولم أجد من تكلم فيه بجرح ولا تعديل، وخالفه أحمد بن حنبل وابن أبي شيبة؛ روياه عن وكيع عن الحسن بن صالح عن السدي عن عدي بن ثابت عن البراء.
والوجهان الآخران يشبه أن يكونا اضطرابًا من أشعث، والأقوى منهما الأول؛ لموافقة أشعث فيه الجماعة عن عدي.
وأما رواية عبد الغفار بن القاسم أبي مريم، فقد أشار عبد الله بن أحمد بن حنبل بعقبها إلى أنها معلولة، فقال: " ما حدَّث أبي عن أبي مريم عبد الغفار إلا هذا الحديث لعلته "، وعبد الغفار هذا ضعيف جدًّا، وذكر بعض العلماء أنه يضع الحديث، ولا يبعد أنه أخذ هذه الرواية سرقةً من زيد بن أبي أنيسة، فإنها مشهورة به.
وزيد حافظ ثقة، وله أفراد، وذكر الإمام أحمد بن حنبل أن في حديثه بعض النكرة،، وقد رجَّح أبو حاتم الرازي روايته هذه، حيث ذكر - كما في العلل (1/ 403) - وجهي الاختلاف على أشعث بن سوار، ووهَّم راوييه، ثم قال: " إنما هو كما رواه زيد بن أبي أنيسة عن عدي عن يزيد بن البراء عن البراء عن خاله أبي بردة، ومنهم من يقول: عن عمه أبي بردة "، ولعل ترجيحه هذا لأن زيدًا أحفظ من أشعث وأوثق.
إلا أنه بالتأمل قد يظهر خلاف ذلك، فزيد رهاوي كوفي الأصل، وخالفه الربيع بن ركين؛ وهو كوفي، والسدي؛ وهو صدوق كوفي، وحجاج بن أرطاة؛ وهو ضعيف كوفي، وأشعث بن سوار - في الأقوى عنه -؛ وهو ضعيف كوفي= كلهم رووه عن عدي بن ثابت - وهو ثقة كوفي -، فلم يدخلوا يزيد بن البراء بينه وبين البراء - كما أدخل زيد بن أبي أنيسة -.
ولم يُتفق على زيد في هذا الحديث، فقد روي عنه عن جابر الجعفي عن يزيد بن البراء عن أبيه، ورواه أبو شيبة الرهاوي عنه عن عدي بن ثابت عن أنس، وهذا الوجه الأخير أعله أبو زرعة الرازي؛ قال - كما في العلل (1/ 424) -: " هذا خطأ "، والدارقطني؛ قال في العلل (12/ 127): " وليس هذا من حديث أنس ... "، والمزي؛ قال في التحفة (11/ 129): " وهذا ليس بمحفوظ ".
وعدد الرواة الآخرين عن عدي، واتفاق بلادهم وبلاد شيخهم، وما ذكر لمخالفهم من أفراد، والاختلاف عليه في هذا الحديث= قرائن ترجح روايتهم على روايته، وكذا؛ ففي رواية زيد من الزيادة في المتن ما ليس في روايتهم - ويأتي -.
وقد رجّح هذا أبو زرعة الرازي، قال - كما في العلل (1/ 424، 425) -: " رواه الحسن بن صالح عن السدي عن عدي بن ثابت عن البراء قال: لقيت خالي ومعه الراية،
ورواه حفص بن غياث عن أشعث بن سوار عن عدي بن ثابت عن البراء،
ورواه الفضل بن العلاء وأبو خالد الأحمر ومعمر عن أشعث عن عدي بن ثابت عن يزيد بن البراء عن البراء قال: رأيت خالي،
ورواه شعبة عن الربيع بن الركين عن عدي بن ثابت عن البراء،
ورواه عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن عدي بن ثابت عن يزيد بن البراء عن أبيه قال: لقيت عمي ومعه الراية ".
قال أبو زرعة: " الصحيح: خاله، هو أبو بردة بن نيار، واسمه هانئ ".
فرجح أبو زرعة الرواية التي فيها قول البراء: لقيت خالي، وهي رواية السدي وحفص بن غياث عن أشعث بن سوار.
فرواية الجماعة هي الأقوى عن عدي بن ثابت، والله أعلم.
ومع هذا كله فقد قال أبو حاتم – كما في العلل لابنه (3/ 719) – عندما ذكر له ابنه رواية أبي خالد الأحمر وحفص، عن أشعث واختلافهم عليه قال: وهما جميعاً؛ إنما هو: كما رواه زيد بن أبي أنيسة، عن عدي، عن يزيد بن البراء، عن خاله أبي بردة، ومنهم من يقول: عن عمه أبي بردة.
2 - تحرير أسانيد رواية أبي الجهم:
رواه عنه مطرف، واختُلف عنه:
- فاتفق خالد بن عبد الله وجرير وأسباط بن محمد على روايته عنه عن أبي الجهم عن البراء،
- ورواه أبو بكر بن عياش عن مطرف، واختُلف عنه:
* فرواه أحمد بن يونس عنه عن البراء كرواية الجماعة إسنادًا ومتنًا،
* ورواه أسود بن عامر عن أبي بكر عن مطرف معضلاً، وجعل الرجل دخل بأم امرأته، لا بزوجة أبيه،
ولعل أسود قصر به، وهو مخطئ في المتن، وأحمد بن يونس حافظ ثقة، أوثق من أسود.
تحرير المتون:
1 - رواية عدي بن ثابت:
¥