(أَما بعد: فقد سأَلني من تعينت إجابته عن ما وقع في ((كتاب الاتقان للسيوطي)) في بحث كيفية إنزال القرآن الكريم حاكيًا له في جملة أَقوال من غير رد له ولا إنكار من أَن جبريل عليه السلام أَخذه من اللوح المحفوظ وجاءَ به إلى محمد صلى الله عليه وسلم: هل هذا من أَقوال أَهل السنة والجماعة، ومما ثبت عن سلف هذه الأُمة وأَئمتها، أَو هو من أَقوال أَهل البدع، وما حقيقة ذلك، وأَي شيء ترجع إليه هذه المقالة. فأقول ومن الله أَستمد الصواب، وهو حسبي ونعم الوكيل:

هذه ((المقالة)) اغتر بها كثير من الجهلة وراجت عليهم. والسيوطي رحمه الله مع طول باعه وسعة اطلاعه وكثرة مؤلفاته ليس ممن يعتمد عليه في مثل هذه الأصول العظيمة. وهذه ((المقالة)) مبنية على أَصل فاسد، وهو القول بخلق القرآن، وهذه هي مقالة الجهمية والمعتزلة ومن نحى نحوهم. وهذه المقالة الخاطئة حقيقتها إنكار أَن يكون الله متكلمًا حقيقة ... ) اهـ.

ثم ذكر في الرسالة بعد ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمة مقرا بما فيه ونصه: (وهذا لا ينافي ما جاءَ عن ابن عباس وغيره من السلف في تفسير قوله تعالى: (. إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) أنه أَنزله إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم أَنزله بعد ذلك منجمًا مفرقًا بحسب الحوادث. ولا ينافي أَنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزوله، كما قال تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ) الآية وقال: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) الآية وقال (إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) الآية (261) وقال (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ) الآية (262). وكونه مكتوبًا في اللوح المحفوظ وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة لا ينافي أَن يكون جبريل نزل به من الله، سواء كتبه الله قبل أَن يرسل به جبريل وغير ذلك، وإذا كان قد أَنزله مكتوبًا إلى بيت العزة جملة واحدة في ليلة القدر فقد كتبه كله قبل أَن ينزله، والله تعالى يعلم ما كان وما لا يكون أَن لو كان كيف كان يكون .. ) اهـ.

ينظر: رسالة الشيخ الجواب الواضح المستقيم في التحقيق في كيفية إنزال القرآن الكريم. موجودة ضمن فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم.

وإنما أوضحت هذا لئلا يتوهم أحد أن الشيخ ابن إبراهيم ينكر القول المروي عن ابن عباس و غيره من السلف.

وقد قلت سابقاً: (كل محذورٍ يُدّعَى على هذا القول المشهور عند السلف و العلماء فليس بصحيح لأن أهل السنة والاتباع يؤمنون أنّ جبريل عليه السلام تلقّاه من الله تعالى وحياً سمعه من رب الأرباب و نؤمن بحمد الله بذلك و نصدّق أيضاً أنه أنزله إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزله بعد ذلك مفرقًا بحسب الحوادث وكذلك نؤمن أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزوله، كما قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} [البروج: 21،22] وقال تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 77، 87]، وقال تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 11ـ 16] وقال تعالى: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف: 4] ولا تنافي بين ذلك فإذا كان مشكلا علينا أن نتخيل إنزاله مجموعاً إلى بيت العزة قبل وقوع أسباب تنزّله البشرية من وقعة أحد و ما فيها أو سماع محاورة المجادلة لزوجها أو قصة زينب أو غير ذلك فكذلك يمكن أن نستشكِل كونه مكتوباً في الذكر الحكيم قبل وقوع تلك الأحداث و الوقائع التي بسببها نزلت الآيات و إنما ينفع في مثل هذا التسليم للنصوص والأخبار الصحيحة ما لم يعارضها ما خبر هو أصح منها، فإن قدرة ربنا تعالى مما نعجز عن إدراكه) اهـ

ـ[عبد الله الميموني]ــــــــ[01 - عز وجلec-2007, مساء 02:41]ـ

القول الذي ذكره الواحدي عن سفيان بن عيينة هل وقف أحد على سنده فإن سفيان بن عيينة من أعلم أهل زمانه بالتفسير

مع إمامته في الحديث وهو من أجل شيوخ الإمام أحمد و ابن معين و علي بن المديني ولا أظن الواحدي أطلق العزو إليه إلا وقد صح سنده إليه. و لسفيان بن عيينة كلام في التفسير وروايات

ـ[عبد الله الميموني]ــــــــ[06 - عز وجلec-2007, مساء 02:21]ـ

ولم يثبت عن صحابي أو تابعي ما يخالف هذا القول في تفسير الآيات التي تخبر بنزول القرآن.

بل فسروها على أن المراد نزوله جملة إلى السماء الدنيا. و أما القول المروي عن الشعبي أنه فسر الآية بأن المراد ابتداء نزول القرآن ففيه علة و في سنده ضعف وقد بينت العلة وأنها بسبب مخالفة رواية أصح عن الشعبي من نفس الطريق إليه و بينت أيضا سبب ضعف سندها.

فلم أجد عن تابعي قولا صحيحا فضلا عن صحابي أنه فسر الآيات بغير المروي عن ابن عباس و غيره و من وجده بسند لم نذكره فليفدنا مشكوراً.

(وقد قلت سابقا: (قال الطبري (حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي قال: بلغنا أن القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا) اهـ. رواه في موضعين (3) وهذا سند متفق على ثقة رجاله. وأما القول الآخر المروي عنه أن المقصود ابتداء نزول القرآن في شهر رمضان ففي سنده مقال و لا يقاوم هذا فقد رواه الطبري من طريق عمران أبي العوام ثنا داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، أنه قال في قول الله: (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) قال: (نزل أول القرآن في ليلة القدر) اهـ. (4) وعمران القطان أبو العوّام في روايته ضعفٌ فقد ضعفه يحيى و النسائي،وفي التقريب صدوق يَهِم ورمي برأي الخوارج (5154). وسيرد تفصيل أقوالهم في تعديله و تجريحه عند تخريج حديث واثلة قريباً.

وقد خالفه اسماعيل بن عليّه وهو أحفظ منه بدرجات فرواه عن داود بن أبي هند باللفظ المتقدم الموافق لقول ابن عباس و غيره. واسماعيل بن عليه ثقة ثبت) اهـ.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015