اُشْتُهِرَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم التَّعَوُّذُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى , وَلَمْ يَشْتَهِرْ فِي سَائِرِ الرَّكَعَاتِ، أَمَّا اشْتِهَارُهُ فِي الْأُولَى فَمُسْتَفَادٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَمَّا عَدَمُ شُهْرَةِ تَعَوُّذِهِ فِي بَاقِي الرَّكَعَاتِ فَإِنَّمَا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، لِأَنَّهَا سِيقَتْ فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ.
وَعُمُومُ قَوْلِهِ: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ} يَقْتَضِي الِاسْتِعَاذَةَ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ فِي ابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ 108.
قال الشوكاني: الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي التَّعَوُّذِ لَيْسَ فِيهَا إلَّا أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ا. هـ109.
الدليل الثاني: وَلِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ لِلْقِرَاءَةِ , فَتُكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا , كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي صَلَاتَيْنِ 110.
الرد عليه
قال السرخسي:
وَهَذَا فَاسِدٌ فَإِنَّ الصَّلَاةَ وَاحِدَةٌ فَكَمَا لَا يُؤْتِي لَهَا إلَّا بِتَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَذَا التَّعَوُّذُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ا. هـ111.
المسألة السابعة: هل يتعوذ للسورة التي بعد الفاتحة؟
قال ابن حزم 112:
وَلَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ أَنْ يَتَعَوَّذَا لِلسُّورَةِ الَّتِي مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ ; لِأَنَّهُمَا قَدْ تَعَوَّذَا إذْ قَرَآ. وَمَنْ اتَّصَلَتْ قِرَاءَتُهُ فَقَدْ تَعَوَّذَ كَمَا أُمِرَ , وَلَوْ لَزِمَهُ تَكْرَارُ التَّعَوُّذِ لَمَا كَانَ لِذَلِكَ غَايَةٌ إلَّا بِدَعْوَى كَاذِبَةٍ , فَإِنْ قَطَعَ الْقِرَاءَةَ قَطْعَ تَرْكٍ أَوْ أَرَادَ أَنْ يَبْتَدِئَ قِرَاءَةً فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى تَعَوَّذَ - كَمَا أُمِرَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ ا. هـ113.
المسألة الثامنة: هل يسر بالاستعاذة أم يجهر؟
قال السرخسي:
يَتَعَوَّذُ الْمُصَلِّي فِي نَفْسِهِ إمَامًا كَانَ أَوْ مُنْفَرِدًا ; لِأَنَّ الْجَهْرَ بِالتَّعَوُّذِ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَوْ كَانَ يَجْهَرُ بِهِ لَنُقِلَ نَقْلًا مُسْتَفِيضًا.
وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رضي الله تعالى عنه - أَنَّهُ جَهَرَ بِالتَّعَوُّذِ تَأْوِيلُهُ أَنَّهُ كَانَ وَقَعَ اتِّفَاقًا لَا قَصْدًا أَوْ قَصَدَ تَعْلِيمَ السَّامِعِينَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَوَّذَ كَمَا نُقِلَ عَنْهُ الْجَهْرُ بِثَنَاءِ الِافْتِتَاحِ اهـ114.
قال ابن قدامة:
وَيُسِرُّ الِاسْتِعَاذَةَ , وَلَا يَجْهَرُ بِهَا , لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا اهـ 115.
قال ابن تيمية:
فِي رَجُلٍ يَؤُمُّ النَّاسَ , وَبَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ يَجْهَرُ بِالتَّعَوُّذِ , ثُمَّ يُسَمِّي وَيَقْرَأُ , وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ؟
الْجَوَابُ: إذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَحْيَانًا لِلتَّعْلِيمِ وَنَحْوِهِ , فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ , كَمَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَجْهَرُ بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ مُدَّةً , وَكَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَجْهَرَانِ بِالِاسْتِعَاذَةِ أَحْيَانًا.
وَأَمَّا الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْجَهْرِ بِذَلِكَ فَبِدْعَةٌ , مُخَالِفَةٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَجْهَرُونَ بِذَلِكَ دَائِمًا , بَلْ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ جَهَرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ116.
المسألة التاسعة: هل يتعوذ المأموم؟
قال ابن قدامة:
إنْ كَانَ فِي حَقِّهِ قِرَاءَةٌ مَسْنُونَةٌ , وَهُوَ فِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي يُسِرُّ فِيهَا الْإِمَامُ , أَوْ الَّتِي فِيهَا سَكَتَاتٌ يُمْكِنُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ , اسْتَفْتَحَ الْمَأْمُومُ وَاسْتَعَاذَ , وَإِنْ لَمْ يَسْكُتْ أَصْلًا , فَلَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَسْتَعِيذُ , وَإِنْ سَكَتَ قَدْرًا يَتَّسِعُ لِلِافْتِتَاحِ فَحَسْبُ , اسْتَفْتَحَ وَلَمْ يَسْتَعِذْ.
¥