وهذا الحديث أتمّ متناً وأكمل معنى من قوله ((لا نكاح إلا بولي))، وقد خرجه الطحاوي منطرق عن الزهري، عن عروة، عن عائشة كما تقدم ذكره، ومع ذلك لم يتعرض لبيان معناه، فلا أدري ما وجه اقتصاره على هذه الجملة القصيرة اللهم إلا أن يكون متعصباً لمذهبه كما قال البيهقي عنه فيما مضى من كلامه ()، وقد شرح الخطابي معنى هذا الحديث وذكر ما دلّ عليه من أحكام وكذلك البغوي رحمهما الله تعالى، وقد ذكرنا كلامهما بتمامه فيما بعد فراجعه ().

وبعد أن انتهيت من ذكر كلام ابن التركماني وكذلك الإمام الطحاوي على هذا الحديث وحاولت الإجابة الملخّصة من أقوال الأئمة المحققين أذكر بعون الله ما وعدت بذكره من أن سليمان بن موسى لم يتفرّد برواية هذا الحديث عن الزهري، ثم أذكر رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ثم أذكر بعد ذلك زيادة وردت في متنه، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

المتابعات

وقد توبع سليمان بن موسى عن الزهري، تابعه حجاج بن أرطأة وجعفر بن ربيعة وعبيد الله بن أبي جعفر.

فأما متابعة حجاج فقال البيهقي رحمه الله:

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا الأسود بن عامر، أنبأنا ابن المبارك، عن حجاج، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ?: ((لا نكاح إلا بولي، والسلطان ولي من لا ولي له)) ().

قلت: والحجاج صدوق ولكنه يدلس عن الضعفاء، وقد قيل إنه لم يسمع من الزهري ().

وأما متابعة جعفر بن ربيعة، فقال الإمام أحمد رحمه الله:

حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا جعفر بن ربيعة، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: قال رسول الله ?: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب من فرجها، وإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)) ().

وكذلك رواه أبو داود عن القعنبي، عن ابن لهيعة بهذا الإسناد ()، وأحال لفظه على لفظ حديث سليمان بن موسى فقال: بمعناه.

ثم قال: جعفر لم يسمع من الزهري كتب إليه.

قلت: ورجاله ثقات رجال الشيخين غير ابن لهيعة فهو ضعيف ()، ولكن يعنبر بحديثه لا سيما وقد صرّح بسماعه من جعفر، ورواه عنه غير واحد من الثقات فلم يختلفوا عليه في هذا الحديث، إلا ما سنذكره في المتابعة الآتية.

وأما متابعة عبيد الله بن أبي جعفر فقال الطحاوي رحمه الله:

حدثنا ربيع الجيزي قال: حدثنا أبو الأسود قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن ابن شهاب فذكر بإسناده مثله ().

قلت: لم يذكر لفظه وإنما أحاله على لفظ حديث سليمان بن موسى ورجاله ثقات غير ابن لهيعة، ولم أجد من تابع أبا الأسود ـ وهو النضر بن عبد الجبار ـ على روايته عن ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، وقد رواه القعنبي وابن أبي مريم ومعلى بن عبد الرحمن وحسن بن موسى الأشيب وأسد بن موسى كلهم عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، والراجح في نظري رواية الجماعة.

فائدتان

الأولى: نقل الحافظ في التلخيص عن أبي القاسم بن مندة أنه ذكر أن معمراً وعبيد الله بن زحر تابعا ابن جريج على روايته إياه عن سليمان بن موسى، وأن قرة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وأيوب بن موسى وهشام بن سعد وجماعة تابعوا سليمان بن موسى عن الزهري قال: ورواه أبو مالك الجنبي ونوح بن درّاج ومندل وجعفر بن برقان وجماعة عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة ().

الثانية: نقل الذهبي في الميزان عن ابن عدي أنه قال: قد رواه مع سليمان بن موسى حجاج بن أرطأة ويزيد بن أبي حبيب وقرّة بن حيوئيل وأيوب بن موسى وسفيان بن عيينة وإبراهيم بن سعد فكل هؤلاء طرقهم طرق غريبة إلا حجاج فطريقه مشهور ().

قلت: وكذلك ابن لهيعة فطريقه مشهور أيضاً.

طريق آخر لهذا الحديث

وقد روي هذا الحديث من طريق آخر غير طريق الزهري، قال الدارقطني رحمه الله:

حدثنا أبو ذرّ أحمد بن محمد بن أبي بكر، حدثنا أحمد بن الحسين بن عباد النسائي، حدثنا محمد بن يزيد بن سنان، حدثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ?: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) ().

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015