2 - وجاء الحديث عن علي بن عبد العزيز، عن عاصم بن علي، عن أبي أويس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: " كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقبل وهو صائم، ثم لا يتوضأ "، قال الدارقطني عقبه: " لا أعلم حدث به عن عاصم بن علي هكذا غير علي بن عبد العزيز "، وبيّن في العلل (15/ 64) أن ذلك وهم، وأن الصواب: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقبل وهو صائم.
ووجه ذلك هنا: أن أبا أويس -عبد الله بن عبد الله بن أويس المدني- رواه عن هشام بن عروة، فذكر القبلة في الصيام، وزاد: " ثم لا يتوضأ "، وقد رواه عن هشام جماعة من أئمة الحفاظ لم يذكروا هذه الزيادة؛ كمالك وابن عيينة ووكيع ويحيى بن سعيد القطان وأبو معاوية الضرير وحماد بن سلمة، ووافقهم غير واحد؛ كعمر بن علي المقدمي وأنس بن عياض والجراح بن الضحاك وشريك. كل أولاء رووه عن هشام بن عروة به، فلم يذكروا ترك الوضوء من القبلة، واقتصروا على ذكر القبلة في الصيام.
وأبو أويس الذي انفرد بالزيادة ضعَّفه غير واحد، وهو صالح عند آخرين، وانفراده بهذه الزيادة عن هشام بن عروة دون أصحابه الحفاظ لا يحتمل منه، وهي خطأ منكرة.
3 - كما روى الحديث بقية، عن عبد الملك بن محمد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبلها وهو صائم، وقال: " إن القبلة لا تنقض الوضوء، ولا تفطر الصائم "، وقال: " يا حميراء، إن في ديننا لسعة ".
وعبد الملك شيخ بقية قال فيه الدارقطني بعد ذكر هذا الإسناد في العلل (15/ 64): " شيخ له -أي: لبقية- مجهول "، وقد نقل قول الدارقطني الذهبيُّ في الميزان (2/ 663)، فقال: " قال الدارقطني: (عبد الملك ضعيف) "، وأشار الذهبي إلى إعلال هذا الإسناد، فقال: " وعنه -أي: عن عبد الملك- بقيةُ بـ (عن) ".
وتفرد هذا المجهول -أو الضعيف- عن هشام بن عروة بهذا الحديث بتمامه منكر، فغيره لا يرويه عن هشام.
فهذه علة هذا الإسناد، وأعله ابن راهويه بعد إخراجه في مسنده (2/ 172)، قال: " أخشى أن يكون غلط ".
4 - وجاء الحديث عن هشام بن عبيد الله الرازي، عن محمد عن جابر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة به. علّقه الدارقطني في العلل (15/ 64)، ومحمد بن جابر هذا -وهو السحيمي الحنفي- ضعيف، قال بعض الأئمة: " ساقط "، وقيل: " ليس بشيء "، ولم يشتد ضعفه عند بعض الأئمة، إلا أن روايته -وهذه حالُهُ- عن ثقة جبل مكثر كهشام بن عروة لا تعد شيئًا.
5 - وجاء الحديث عن نوح بن ذكوان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة به. علّقه الدارقطني في العلل (15/ 64)، ونوح بن ذكوان هذا واهٍ، ضعيفٌ جدًّا. وذكر الدارقطني أنه " زاد فيه زيادة كبيرة تفرد بها، كلها وهم ". فروايته هذه واهية منكرة.
فهذا الحديث برواية عروة عن عائشة، وهذه متابعاته، وظهر أنه منقطع، وأن متابعاته مناكير، فلا تفيدُهُ تقويةً.
والحديث ذاتُهُ -بإسناده هذا: حبيب، عن عروة، عن عائشة- أنكره غير واحد من أجلة أهل الحديث المتقدمين:
- فذكر ابن المديني أن يحيى القطان ضعّفه جدًّا وقال: " شبه لا شيء "،
- وأنكره يحيى بن معين،
- ونقل الترمذي أن البخاريَّ ضعّفه وضعّف كل أحاديث الباب،
- وقال أبو حاتم: " لم يصح "،
- وقال الترمذي: " لا يصح عندهم -يعني: أصحابه أهل الحديث- لحال الإسناد ".
وتصحيحُهُ وقبولُ تصحيحه صعبٌ مع تظافر هذه الأقوال عن هؤلاء الأجلة، وهو دليل على قوة نظر المتقدمين من الأئمة ودقتهم في هذا العلم.
/// تنبيه: لم أتكلم هنا إلا عن رواية عروة عن عائشة -رضي الله عنها-، وهناك روايات أخرى عنها، ولربما فاتني شيء من روايات عروة أيضًا، فليُسدّ النقص إن كان ثم نقص، ورحم الله من نبهني على خطأ أخطأتُه.
والله أعلم.
ـ[مجدي فياض]ــــــــ[21 - Oct-2007, مساء 02:58]ـ
بارك الله فيك شيخنا الفاضل محمد بن عبد الله
لكن هلا أكملت بحثك الماتع لتتبع باقي روايات الحديث عن عائشة من غير طريق عروة لكي يتسنى لنا الحكم على الحديث بمجموع الطرق والشواهد والمتابعات هل يصح حديث في ذلك المعنى أم لا؟؟ لأن هذا يترتب عليه خلاف فقهي قوي وهو هل لمس المرأة بلا شهوة ناقض للوضوء أم لا؟؟
عموما ليتك أخي الفاضل تكمل المسيرة
وجزاكم الله خيرا
ـ[ابو محمد الغامدي]ــــــــ[21 - Oct-2007, مساء 03:26]ـ
¥