" وليعلم أن تحسين المتأخرين، وتصحيحهم، لا يوازي تحسين المتقدمين فإنهم كانوا أعرف بحال الرواة لقرب عهدهم بهم، فكانوا يحكمون ما يحكمون به، بعد تثبت تام، ومعرفة جزئية، أما المتأخرون فليس عندهم من أمرهم غير الأثر بعد العين، فلا يحكمون إلا بعد مطالعة أحوالهم في الأوراق، وأنت تعلم أنه كم من فرق بين المجرب والحكيم، و ما يغني السواد الذي في البياض عند المتأخرين، عما عند المتقدمين من العلم على أحوالهم كالعيان، فإنهم أدركوا الرواة بأنفسهم، فاستغنوا عن التساؤل، والأخذ عن أفواه الناس، فهؤلاء أعرف الناس، فبهم العبرة، وحينئذ إن وجدت النووي مثلا يتكلم في حديث، والترمذي يحسنه، فعليك بما ذهب إليه الترمذي، ولم يحسن الحافظ في عدم قبول تحسين الترمذي، فإن مبناه على القواعد لا غير، وحكم الترمذي يبني على الذوق والوجدان الصحيح، وإن هذا هو العلم، وإنما الضوابط عصا الأعمى " 51.

هكذا تضافرت النصوص على استخدام مصطلحي " المتقدمون والمتأخرون " مؤكدة بأهمية التفريق بين المناهج المختلفة في قسمي علوم الحديث: النظري والتطبيقي، ونحن إذ نطرح ذلك من جديد فإننا نقصد بذلك بلورة هذه الفكرة، لضرورة العودة إلى منهج المتقدمين في معرفة صحة الحديث وضعفه، وتحديد معاني المصطلحات التي استخدموها في مجال النقد، أو الجرح و التعديل، مستعينا في ذلك بالتعريفات التي ذكرها المتأخرون في كتب المصطلح.

والذي أثار غرابتي وعجبي أن المناوئين لمسألة التفريق بين المتقدمين والمتأخرين كانوا يفرقون بينهم، ويستخدمون هذين المصطلحين بين حين وآخر عند تناولهم مسائل علوم الحديث، لقد سمعت من بعض الشيوخ يصف هذا المنهج بأنه محدث وبدعة في الدين، وفي الوقت ذاته يفرق بينهم عشرات المرات في تحرير معنى الحسن وغيره من مسائل علوم الحديث.

وفي ضوء ما تقدم من النصوص نستطيع أن نلخص ما يلي:

1 - ورد في بعض النصوص ما ينص على أن الحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين هو الخمسمائة سنة الهجرية.

2 - وكان موقف العلماء موحداً حول وجود تباين جوهري بين المتقدمين والمتأخرين في التصحيح والتضعيف.

3 - الأسماء الواردة في قائمة المتقدمين هم: شعبة والقطان وابن مهدي ونجوهم، وأصحابهم مثل أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه وطائفة، ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وهكذا إلى زمن الدارقطني والخليلي والبيهقي.

4 - فاتضح بذلك أن البيهقي هو خاتمة المتقدمين.

5 - وأن هذه الأسماء إنما ذكرت على سبيل المثال لا على سبيل الحصر.

6 - ويبرهن بذكر هذه الأسماء على أن قصدهم بالمتقدمين هم نقاد الحديث.

7 - وأدرج الذهبي الإسماعيلي (371هـ) في زمرة المتقدمين، رغم قول الذهبي بأن الحد الفاصل بينهم هو القرن الثالث الهجري.

8 - وأن الأسماء الواردة في قائمة المتأخرين هي: ابن المرابط، وعياض، وابن تيمية، وابن كثير، وعبد الغني صاحب الكمال، والذهبي، والحافظ ابن حجر، وابن الصلاح، وابن الحاجب، والنووي، وابن عبد الهادي، وابن القطان الفاسي، وضياء الدين المقدسي، وزكي الدين المنذري، وشرف الدين الدمياطي، وتقي الدين السبكي، وابن دقيق العيد، والمزي.

9 - و تضم هذه القائمة ـ كما ترى ـ أهل الحديث وأهل الفقه والأصول. وأطلق عليهم جميعاً مصطلح " المتأخرين ".

10 - صرح السيوطي بضعف نظر المتأخرين بالنسبة إلى المتقدمين، هذا بالطبع فيما يخص الحديث وعلومه فقط، ولم يكن (رحمه الله) شاذا في ذلك، بل يؤيده ما سبق ذكره من نصوص الأئمة، ولهذا قال الحافظ ابن حجر بوجوب تسليم الأمر للمتقدمين في مجال التصحيح و التضعيف وتنظير القواعد المتعلقة بهما.

وفي نهاية هذا التلخيص نعود ونقول مرة أخرى إن أئمتنا قد استخدموا مصطلحي المتقدمين والمتأخرين، لوجود تباين منهجي بينهم في التصحيح والتضعيف، وتنظير ما يتعلق بهما من المسائل والقواعد، ولتفاوتهم في التكوين العلمي في مجال الحديث وحفظه و نقده.

وبعد هذا يكون من المفيد أن ننظر في العوامل التاريخية التي أدت إلى وقوع ذلك التباين، وهذا ما أذكره في الفقرات التالية.

العوامل التاريخية التي أدت إلى وقوع ذلك التباين المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015