ولما كانت خاصية الرواية وعدمها التي ذكرت في تسمية المرحلتين لا تقتضي بمفردها ما يراد إثباته من التباين المنهجي والإختلاف الجوهري بينهما.
فإن المؤلف قد أضاف ما رآه مؤيداً لمقصوده.
فذكر: أن المواد العلمية التي تشكل المحاور الرئيسية في علوم الحديث بمصطلحاتها وقواعدها إنما انبثقت من جهود المحدثين النقاد في المرحلة الأولى (يعني مرحلة الرواية) وهي التي عنى بها المتقدمين.
ثم يقرر أن أهل المرحلة الثانية- يعني ما بعد الرواية وهي التي عنى بها المتأخرين- كان لهم أنواع جديدة من الضوابط لتوثيق النسخ والمؤلفات.
ثم يخلص من هذا إلى نتيجة إجمالية بقوله: إنه بناء على ما تقدم أصبح النقاد في المرحلة الأولى يعني المتقدمين هم العمدة والمصدر الرئيس لمباحث علوم الحديث ومصطلحاتها ثم يقول: وأما المتأخرون –يعني أهل المرحلة الثانية- فتبع لهم، يتمثل دورهم في النقل والتهذيب والاستخلاص، والاختصار، دون التأسيس والإبداع كما شهد بذلك الواقع.
ثم يرتب على ذلك قائلاً: فمن الطبيعي إذن بروز تباين منهجي بين حفاظ المرحلة الأولى –يعني المتقدمون، وبين أئمة المرحلة الثانية- يعني المتأخرين- في علوم الحديث.
ويضيف لإثبات القول بالتباين ما وجد في نتائج أهل المرحلة الثانية من التأثير القوي لعلم المنطق الذي لم يفلت منه علم من العلوم الشرعية وذلك في صياغة الحدود والتعريفات الاصطلاحية، ومراعاة كون التعريف جامعاً مانعاً موجزاً.
في حين كان أكثر ما يُذكر للتعريف في المرحلة الأولى لا يخلو من غموض، او تطويل، أو لا يكون جامعاً، أو لا يكون مانعاً، أو يكون بالإشارة والإلغاز، مع ترك توضيح كل ذلك لإدراك المخاطب للمناسبات والقرائين التي كانوا يرونها تساعد على ذلك.
ثم يقول: إن مقتضى ذلك ضرورة الاعتبار بمناسبات كلام النقاد وتعابيرهم الفنية، كي تتضح مقاصدهم، ويعلل ذلك بأن العديد من تعاريف المصطلحات التي استقر عليها المتأخرون لا يصلح التقيد بها في كثير من المواضع؛ لأنها وقعت مضيقة لملدولاتها التي كانت متسعة في إطلاق المتقدمين.
ثم يقول: وفي ضوء هذه الحقائق العلمية فإننا نستخلص بأن المعنيين بالمتقدمين هم حفاظ مرحلة الرواية، وبالخصوص نقادهم وبالمتأخرين أهل مرحلة ما بعد الرواية، فإن كلاً من هاتين المجموعتين تنفصل عن الأخرى أصالة وتبعية في مجال الحديث وعلومه.
فلا ينبغي الخلط بينهما؛ لأنه ظهر بينهما خلاف جوهري وتباين منهجي.
ثم يحيل بالتفاصيل على باقي فقرات الكتاب (ص15).
وسيأتي بمشيئة الله ذكر بعض نماذج منه ومناقشتها.
ثم عرض في بقية الكتاب نماذج تفصيلية لما يراه من تباين منهجي وخلاف جوهري بين من اصطلح على تقسيمهم وجوبياً إلى متقدمين ومتأخرين.
وقبل ذكر بعض ما يتسع له الوقت من نماذج التباين المنهجي والخلاف الجوهري في نظره مع مناقشته.
أرى أن نتأمل فضيله السابق فإن من سماهم اصطلاحاً بالمتأخرين قد حدد بنفسه موقفهم من المتقدمين بأنهم ليسوا إلا تابعين لهم، ومقلدين، كما حدد بنفسه أيضاً دور المتأخرين العلمي بأنه: نقل وتهذيب واستخلاص واختصار، دون تأسيس ولا إبداع.
فكيف يتأنى للتابع أو المقلد بوصفه تابعاً أو مقلداً أن يحدث مخالفة جوهرية لمتبوعه أو مقلده؟
وكيف يقال: إن مجموعة المتأخرين منفصلة عن مجموعة المتقدمين أصالة وتبعية- حسب نص عبارة المؤلف السابقة، وما دام المتأخر قد شهد له الواقع حسب نص كلام المؤلف-بأنه لم يؤسس ولم يبدع ولكن فقط نقل عن المتقدمين، وهذب، واختصر، واستخلص من أصولهم فروعاً، فكيف والحالة هذه يكون منهجه مبايناً لما في أصوله المقدمة أو بعبارة أخرى كيف يكون منهجه مبايناً لمرجعيته ومنطلقة الأصلي.
إن المباينة تعني أول ما تعني عدم التبعية وعدم المرجعية، وفي الحديث الشريف: «ما أبين من الحي فهو ميت».
نعم يمكن للتابع أن يخالف متبوعه في بعض الأمور الجزئية أو الجوانب الشكلية أو التفريع على أصول المتبوع، ونحو ذلك.
أما أن يخالف جوهرياً ويباين منهجياً، ويبقى مع ذلك موصوفاً بالتابع لمن خالفه وباينه فهذا مالا أظن أحداً يقره.
الأمر الثاني الذي يحتاج إلى تأمل أن فضيلة المؤلف حدد هنا منذ البداية-أو صاف المتقدمين بأنهم حفاظ المرحلة الأولى، وبالخصوص نقادها (ص:15) فأصبح المتقدمون معروفون زمنياً واختصاصاً.
¥