ومقتضى هذا أنه يعتبر نهاية القرن الرابع هي آخر المتقدمين، ومن بعدها هم المأخرون وتفاصيل كلانه ومباحثه التي أوردها عن أهل القرن الخامس ونقده مناهج ومحتوى مؤلفاتهم في علوم المصطلح يؤيد هذا، ويلقي في كثير من التفاصيل مع نقد من ألف في موازنة مناهج المتقدمين والمتأخرين.

4 - الدكتور حمزة المليباري:

قد تناول الدكتور بيان مفهوم المتقدمين والمتأخرين والمقصود بكل منهما في كتابه المنشور عام 1995م سنة 1416هـ والذي عنونه بقوله: نظرت جديدة في علوم الحديث.

فقال: شاع استخدام كلمتي المتقدمين والمتأخرين في مواضع كثيرة من علوم الحديث دون بيان شاف عن مدلوليهما (1).

إلا ما ذكره الذهبي في مقدمة ميزان الإعتدال (1/ 4) من أن الحد الفاصل بينهم رأس سنة ثلاثمائة (2).

وتعقب هذا بأنه تحديد زمني قائم على أساس الفضل والشرف للقرون الأولى فلا يعتبر في المجالات العلمية والمنهجية كعلوم الحديث، لأن حفاظ القرن الرابع، بل النصف الأول من القرن الخامس أيضاً يشتركون مع سلفهم في الأعراف العلمية والمناهج التعليمية والأساليب النقدية وكيفية التعابير الفنية، دون اللاحقين بهم.

وأن هذا الفاصل أيضاً لم يكن معمولاً به في الصناعات الحديثة عموماً.

ثم يقول: إن من يتتبع السياق الذي وردت فيه هاتان الكلمتان ومناسبة إطلاقهما يجد أن المفهوم السائد لهذين المصطلحين هو المعنى النسبي، أي كل من سلف يعتبر متقدماً بالنسبة إلى من لحقه.

ويتعقب هذا بقوله: وهذا المفهوم غير صالح أيضاً في المجالات العلمية التي يتوخى فيها المنهج والإصطلاح، نظراً إلى كونه تحديداً لغوياً، دون أدنى اعتبار للفاصل العلمي الحقيقي، وإلا فإنه يؤدي إلى الخلط بين أصحاب الرؤى المتباينة جوهرياً وفنياً ثم يضيف قائلاً: فحين يقع بين مجموعتين خلاف جوهري وتباين منهجي في كثير من مسائل علوم الحديث فإنه يصبح من الضروري فصلهما بما يميز كلاً منهما عن الأخرى، كي لا يشيع الزلل ويكثر حوله الجدل بسبب عدم التميز بين ذوي المناهج المختلفة (ص: 9 - 10).

ومن يتأمل ما تقدم يجد أن المؤلف قد رد ما تعارف عليه كافة علماء الإصطلاح قديماً وحديثاً حتى عصره هو سواء المدلول الزمني الذي حدده الإمام الذهبي، أو المدلول اللغوي النسبي الذي وصفه بنفسه بأنه هو السائد في كتب علوم الحديث مع تعليله هذا بأن كلا المدلولين المستعملين عند السابقين غير متوافقين مع ما يراه هو، من وجود مجموعتين من العلماء بينهما خلاف جوهري وتبيان منهجي وأن تمييز كل منهما عن الأخرى ضرورة علمية ملحة.

وسيأتي عند مناقشة بعض الأمثلة أن التعليل المذكور ليس في محله.

ولكننا نريد هنا أن نقول: إذا كان المؤلف الفاضل قد رأى بحكم اختصاصه وخبرته بعلوم الحديث أنه إذا ظهرت له ضرورة علمية تقتضي مخالفة مدلول اصطلاح معين لمن سبقوه ولو من المتقدمين، وتقريره مدلولاً اصطلاحياً آخر مع تعضيده بدليل معتبر في نظره، فلماذا يذكر مثل هذا على من سبقه من أئمة النقد والحفظ من مصطلح هو وقرنه وافقه على تسميتهم بالمتأخرين؟ كالإمام ابن الصلاح ومن بعده، بل كابن خزيمة وابن حبان والحاكم، الذين قالوا بإخراجهم من المتقدمين كما سيأتي لكونهم في نظرهم متساهلين مطلقاً في التصحيح وبعد رد المؤلف للمدلولين السابقين لمصطلحي المتقدمين والمتأخرين قرر المداول الذي يراه هو من وجهة نظره متعينا.

فقال: إن المسيرة التاريخية للسنة النبوية يتعين تقسيمها إلى مرحلتين زمنيتين كبيرتين لكل منهما معالمها وخصائصها المميزة، وآثارها المختلفة فأما الأولى فيمكن تسميتها بمرحلة الرواية، وهي ممتدة من عصر الصحابة إلى نهاية القرن الخامس الهجري تقريباً وذكر أن أهم خصائص هذه المرحلة التعويل على الرواية المباشرة والإسناد.

ثم قال: وأما المرحلة الثانية فيمكن تسميتها بمرحلة ما بعد الرواية، وذكر تميزها بالإعتماد بدلاً من الرواية على كتب السابقين.

وتأمل قوله: يمكن تسميتها، وتأمل التسمية التي ذكرها لكل من المرحلتين والمدلول الذي ذكره، فستجد بوضوح- أن كلاً من الإسمين والمدلولين، من ابتكار فضيلة المؤلف، وحسب نظره المسند إلى خاصية مشتركة بين أهل كل مرحلة وخلال باقي الكتاب صار يحيل عليهما كما لو كانا اصطلاحاً مقرراً، أو كما وصفه في البداية بأنه متعين.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015